“لقاء متأخر” سلسلة قصص من وحي الواقع للكاتب “حميد لحرايشي”

“لقاء متأخر” سلسلة قصص من وحي الواقع للكاتب “حميد لحرايشي”

الشاملة بريس: الكاتب- لحرايشي حميد

ترقبوا كل أسبوع سلسلة قصص من وحي الواقع للكاتب “حميد لحرايشي” على جريدة الشاملة بريس (03)

صعدت أمي فاطنة ،كعادتها كل يوم أحد وأربعاء ،سلالم العمارة حتى الطابق الخامس ،كانت كلما وصلت إلى طابق جلست على إحدى الدرجات لترتاح وتستعيد أنفاسها ثم تكمل الصعود ،يناهز عمرها الستين سنة ،وجهها تكسوه التجاعيد والحفر ،عندما تمعن فيه النظر ،ترى من وراء قسماته هموم السنين متراكمة بعضها فوق بعض ، ولكن ابتسامتها ،التي لم تكن تفارقها ،تخفي معالم المحن والمعاناة التي ترزح تحتها.

وصلت أمي فاطنة إلى الشقة رقم 15 في الطابق الأخير وفي يدها دلو ومكنسة ومنشفة طرقت الباب ،سمعت صوت سالم الطروب وهو يغني :

              كتاب حياتي يا عين +++ما فيه زيو كتاب

             الفرح فيه سطرين+++والباقي كله عذاب

لم تكن أمي فاطنة تفهم لماذا كان هذا الشاب ذو الثلاثين سنة من عمره أو يزيد قليلا ،يغني هذه الأغنية المليئة بالحزن ،ومع ذلك كانت تحب سماعها منه ،فهي ترى كأن الأغنية تتحدث عن كتاب حياتها هي ،شيء ما يجعلها تنجذب إليه ،وتحس بالرغبة في التحدث إليه ،وكانت ،أحيانا ،تختلق الأسباب للبقاء معه وقتا أطول ،فتح الباب وأطل عليها بوجهه الجميل ،وشعره الأشقر المتدلي على جبينه وعينيه الزرقاوين زرقة البحر ،ابتسمت له وابتسم لها ،أسنانه كانت بيضاء ناصعة مصطفة كما يصطف الجيش في استعراض عسكري :”صباح الخير أمي فاطنة ،كيف حالك ؟ ” أجابته بصوتها المرتجف وأنفاسها المسموعة بين زفير وشهيق :”لقد أرهقتني السلالم يا بني ،الحمد لله ،بخير ما دمت أرى وجهك الصبوح ” طلبت منه ملء الدلو لتبدأ تنظيف السلالم .أخرج لها سالم الدلو ،شكرته :”الله يرضى عليك بني “وأخبرته  ،من دون أن تزيح نظراتها عنه  إنها ستعود عنده لتنظف له البيت ،ثم تمتمت :”كأنه هو ،سبحان الخالق ” سمعها سالم فسألها :”عمن تتحدثين أمي فاطنة ؟” لم تجبه ثم بدأت عملها ،لم يغلق الباب في حينه ،ومكث قليلا يتأملها ثم قال وفي فيه ابتسامة خفيفة :”عجيب أمر هذه المرأة ،تعجبني “ثم دخل

كانت تتقاضي ،عن عملها في نظافة السلالم ، مبلغا شهريا يكفيها للعيش بالإضافة إلى العلاوات والإكراميات التي تتلقاها من السكان ،وكانت تحب أن توزع الحلويات على الأطفال وأحيانا حتى النقود ،فهي مقتنعة أن ليس لديها أحد تدخر له ما تكسبه .لذلك أحبها الجميع وفازت بلقب “أمي ” بامتياز  .

أنهت  تنظيف السلالم ،لم تجد في تنظيفها صعوبة لأنها تبدأ من أعلى العمارة  إلى أسفلها ،وكلما وصلت إلى طابق ،أعطت لأحد سكانه الدلو لملئه بالماء فتستريح قليلا ،،كانت تحاول توفير وقت كاف لبيت سالم ،فهي تحب المكوث فيه كثيرا ،والشاب  لا يستعجلها أبدا في مغادرة بيته ،

صعدت السلالم من جديد ،لم تحس ،هذه المرة ،بتعب شديد ،لأن نفسها تتوق وتهفو للوصول إلى بيت سالم ،طرقت الباب  “أدخلي أمي فاطنة الباب مفتوح ” ،دخلت حيته ،وجلست أمامه على أريكة من صوف يستعملها للنوم أحيانا ،وكانت ثياب نومه لا تزال عليها ،”آه بني أخذت مني السنين كل شيء ،ما بقي إلا القليل من عمري ،سأرحل بتعاستي وهمي وغمي” نظر إليها مبتسما :”ولكن أمي فاطنة ،أي هم وأي غم ،ليس لك أحد تنشغلين به ،أنت وحيدة ” كان الشاب يتحدث وهي تسمع ،نظرات عينيها تخبر بإعجابها به ،قالت :” يا بني أنت وحيد وأنا وحيدة ،ليتني أمك وليتك إبني” ضحك بصوت عال :”لو كنت إبنك لزادت همومك ،أمي فاطنة ،الوقت يمر ،قومي ،المطبخ كأنه مزبلة ” .

دخلت المطبخ ،كل الأواني مبعثرة ،تحتاج إلى غسيل ،المرق هنا وهناك ،تنبعث رائحة نتنة من القمامة .انهمكت العجوز على الأواني تغسلها بشغف ،لم ترفع رأسها إلا لتسترق ،بين الفينة والأخرى ،النظر إلى الشاب ،انتهت من المطبخ ،طلب منها أن ترتب ملابسه في الغرفة المجاورة ،لم تتردد أمي فاطنة بل أسعدها ذلك .الدولاب مفتوح على مصراعيه ،أكوام اللباس مترامية في أطراف الغرفة كأن البيت دكان خردة ،احتارت من أين تبدأ ،فكرت في إفراغ الدولاب وإعادة ترتيب كل الملابس ،السراويل ،المعاطف ،القمصان …كل صنف في رف ،عثرت أمي فاطنة ،وهي في خضم الترتيب ، على إزار للرضع ،ذهلت ،وكم فوها ،وعميت عيناها ،لم تعد تسمع أو ترى ،بدأت ترتجف وقلبها يخفق بشدة همهمت:”نعم ،إنه هو ،نفس الإزار ،إبني ،رقية ، أنه يشبه أباه ” أغمي عليها فسقطت سقوط جلمود صخر حطه السيل من عل .سمع الشاب صوت السقوط :”أمي فاطنة ،ماذا كسرت ؟” لم تجبه فعاود نفس السؤال ،لم يتلق جوابا ،هرول تجاه الغرفة ،وجدها مرمية على الأرض وفي يدها الإزار ،أمي فاطنة أمي فاطنة ،أمي فاطنة …من دون جدوى ،جس نبضها ،قلبها ينبض ،تتنفس ،رشها بالماء البارد ولا حركة ،طلب الإسعاف واستعجلهم في القدوم،نقلت إلى المستشفى على عجل ،أعطيت لها العلاجات الأولية ،انتظر سالم أمام باب المستعجلات محتارا خائفا ،لم يتوقف عن الحركة ،مر من الوقت ما لم يطقه ،خرجت إحدى الممرضات أخبرته أنها استفاقت وغير مسموح بالزيارة .

    في صباح اليوم الموالي وصل سالم إلى المستشفى ،وجد الشرطة تستجوبها ، صرحت أنها سقطت إثر دوار الم بها فجأة وارتطم رأسها بالأرض ،كانت المسكينة بين نوم وإغماء ،وقف عند رأسها ،بالكاد فتحت عينيها وحركت شفتيها لتردد إسمه :”سالم ،سالم ،سالم ….” ،”أنا هنا أمي فاطنة “أمسكت يده وقبلتها ثم أخلدت إلى النوم من جديد ويده في يدها ،جاءت الممرضة ،طلبت منه أن يتركها تستريح ،غادر والدموع متحجرة في عينيه ،حنجرته تخشبت ،وأحس بثقل كأن جملا جثم على صدره .عاد عندها في المساء قبلت يده و،سألته ،بصوت ضعيف مبحوح ،عن الإزار الذي كان معه ،أخبرها أن أمه كانت تلفه فيه عندما كان رضيعا ،سألته : “ألست إبن رقية ؟” ،”نعم وكيف عرفت ؟”ذرفت عيناها شلالا من الدموع ،سكتت إلى أن استقرت نفسها من جديد فسألته :”وأين هي الآن ؟” ،ماتت ووالدي في حادثة سير وأنا في الثانية عشرة من عمري ،وقد أكملت تربيتي في دار إيواء الأيتام ،ودرست هناك حتى كبرت واشتغلت وسكنت حيث تعرفين . وقد أخبرني والدي قبل موتهما أنهما أبوي بالتبني ،وأن أمي الحقيقية إسمها حليمة بنت فلان ،من دوار كذا بطنجة ،تسلمتني رقية منها ملفوفا في الإزار الذي كان بيدك ،بحثت عن أمي كثيرا وعندما وجدت أباها ،جدي ،الذي لم يبق غيره على قيد الحياة ،علمت منه أنها هجرت القرية بعد أن كشف علاقتها بأحد الفرنسيين بعيد استقلال المغرب، ،ويبدو الأمر كذلك فأنت ترين شكلي “،فكرت أمي فاطنة أن تبوح له بكل شيء ،ولكن في لحظة خافت أن يغضب عليها فتفقده إلى الأبد ،ففضلت أن تبقي على علاقتها به كما كانت ،تكفيها رؤيته .نامت ،تركها وفكره مشغول بها ،”ترى كيف عرفت إن أمي إسمها رقية ؟”،بات الليل كله يترقب الجواب .

وصل إلى المستشفى  صباح يوم الثلاثاء ،دخل إلى غرفتها ،لم يجدها ،جاءته إحدى الممرضات سألته :”أأنت سالم ؟” حرك رأسه بالإيجاب “ارتطام رأس أمك بالأرض سبب لها نزيفا بالمخ لم نستطع إيقافه وقد أخبرتني وهي تحتضر أنها تحبك كثيرا ، وجدنا معها هذه البطاقة “

قرأ على البطاقة  :حليمة بنت فلان ،دوار كذا طنجة ،انهارت قواه ،جلس على الأرض وصرخ بأعلى صوته :”آه أمي ،أحرقت كبدي… ،كنت أعيش على أمل لقياك ، لماذا لم تخبريني لماذا لماذا ،لماذا ؟…

شاهد أيضاً

نبذة عن حياة الفنان عبد الواحد التطواني وإصدار لأغنيته الجديدة التي تحمل اسم (مسيرة الوفاء)

الشاملة بريس- إعداد: إدريس البخاري عبد الواحد التطواني، ولد في تطوان، المغرب، في 12 مارس 1944 …

من أرض المهجر: “يا الشقرا.. يا المزينة بالحناني”، قصيدة عن المسيرة الخضراء المظفرة

الشاملة بريس- إعداد- المناضلة الأستاذة سهيلة الريفي المطالسي يا الشقرا.. يا المزينة بالحناني اركبنا و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *