“حياة” سلسلة قصص من وحي الواقع للكاتب “حميد لحرايشي

“حياة” سلسلة قصص من وحي الواقع للكاتب “حميد لحرايشي

الشاملة بريس: الكاتب- لحرايشي حميد

ترقبوا كل أسبوع سلسلة قصص من وحي الواقع للكاتب “حميد لحرايشي” على جريدة الشاملة بريس (05)

استيقظت حياة على صراخ أمها :”قومي قومي ،والحقي بي إلى المطبخ ،ستساعدينني ،الضيوف قادمون اليوم لخطبتك “عبست حياة وغطت رأسها بلحافها وقالت بصوت يميل إلى البكاء :”ومن أخبركم أنني أرغب بالزواج ؟لا أريد أن أتزوج ،دعوني وشأني ” ،عادت إليها أمها بعد بضع دقائق وسحبت اللحاف من فوقها:”وهل سنقول للناس وهم في طريقهم إلينا من مكناس أن البنت لا تريد الزواج؟ ،انهضي وإلا سحبتك من شعرك ” ،سمعت حياة مكناس فهبت من فراشها بسرعة وتهلل وجهها وابتهج ، استغربت أمها ذلك ،سألتها حياة، “أمي ومن يكون الخاطب ” ،”إنه عبد الله ،ابن فطومة جارتنا القديمة” .استبشرت حياة خيرا ،وفرحت فرحا شديدا ،فهي تعرف جيدا عبد الله ،إنه شاب وسيم ومهذب وأهم من ذلك كله أنه يسكن في المدينة ،همها الوحيد هو الخروج من هذه القرية ،تأهبت وشمرت عن ساعديها ودخلت المطبخ والفرحة تلفها من شعرها حتى أخمص قدميها ،”ألم تقولي أنك لا تريدين الزواج ؟ ما بك أرى انك غيرت رأيك ” ظننت الخاطب بوعزة راعي الغنم ،أنا لا أريد آن أسكن في هذه القرية بعد الزواج ،وليكن الزوج من يكون ،” .

طرق القادمون الباب ،فتحت الأم ،وجدت عبد الله رفقة أمه ،رحبت بهما أيما ترحاب ،أدخلتهما غرفة استقبال الضيوف ،كانت حياة ،في الغرفة المجاورة تحاول أن تسترق النظر إلى عبد الله ،لم تره أكثر من عشر سنوات ،منذ أن انتقل مع أسرته إلى مكناس ، دارت بخلدها أسئلة كثيرة عن عبد الله ،ما موقعه الآن بين الناس؟ ،هل له عمل قار ؟ هل له سكن ؟ مع أنها لا تحتاج إلى جواب يرضيها ،هي فقط تحلم ،منذ أصبحت شابة يافعة تلفت الأنظار ،إلى الرحيل من القرية صوب المدينة،وكم حاولت إقناع أبويها بذلك ،ولكن أباها دائما كان يطلب منها ألا تتحدث في هذا الموضوع ،وها قد أتيحت لها الفرصة لتفعل .

سمعت حياة فطومة أم عبد الله تطلبها من أمها لابنها على سنة الله ورسوله ،نطت فرحا وكادت تخرج إليهم وتخبرهم بالموافقة ،ولكن الأعراف والأصول منعتها من ذلك ،سألت أمها فطومة :”أين وصل عبد الله في دراسته  ؟” ، “عبد الله انقطع عن الدراسة منذ خمس سنوات ،والآن يعمل هنا وهناك ،ويكسب ما يكفيه للعيش “لم تخبرهم فطومة أن ابنها طرد من المدرسة بسبب تعاطيه للمخدرات ،بعد سنتين من حلولهم بمكناس ،لم يقو أبوه المسكين على مشاق المدينة ،وأعيته الحيلة في كسب القوت ولما نفذ ما كان معه من المال الذي باع به أرضه وما وفره من الفلاحة في القرية ،خارت قواه وألم به مرض مزمن أودى بحياته ،فاضطر عبد الله إلى العمل ليعيل الأسرة “استاءت لالا خديجة أم حياة من ذلك ،وفكرت في أن العمل هنا وهناك قد لا يسع الإنفاق على أسرة ،فترددت في إبداء رأيها في أمر الزواج ،وفضلت ترك القرار في ذلك لزوجها حين عودته من الحقل .

انهي علال عمله في الحقل ،وعاد إدراجه إلى البيت ،دخل ،حيى عبد الله وفطومة ،تأملهما وقال :”آه لالا فطومة ما بك؟أصبحت نحيفة ،لا توجد في المدينة متاعب  كما في القرية” ،صمتت لالا فطومة واكتفت بابتسامة خفيفة ،التفت علال إلى عبد الله ،:”مرحبا بك السي عبد الله ،ما شاء الله أصبحت رجلا ” فتح الحوار في أمر الزواج من جديد ،أكد عبد الله استعداده لإسعاد حياة وحملها على اكف الراحة ،استنتج علال أن عبد الله يدخن وسأله إن كان يتعاطى للمخدرات والخمر فأنكر ، أخذ رأي حياة في الأمر فوافقت على عجل ،على الرغم من أن أباها أخبرها أن عبد الله يدخن وغير مستبعد تعاطيه للمخدرات وشرب الخمر .

بعد مدة قصيرة عقد قرانهما وانتقلت إلى العيش في بيت زوجها .

مرت على دخول حياة بيت الزوجية أيام معدودات ،أحست بعدها بانتقالها المفاجئ من سيادة العروس إلى وضاعة العبيد ،خافت ألحماة من أن تسحب حياة البساط من تحت رجليها ،فكشرت عن أنيابها وعقدت يدها للكم حياة كلما فتحت فاها لتعقب أو متى رفضت القيام بما يطلب منها ،لم ترد المسكينة إقلاق راحة أبويها أو إزعاجهما بهمومها ومعاناتها ،لم تخبرهم من ذلك بشيء  .بقيت على هذه الحال ردحا من الزمن صابرة مثابرة ،تشتكي أمرها إلى الله ثم إلى عبد الله الذي غالبا ما يعود إلى البيت بعد منتصف الليل ثملا ،تتقاذفه حيطان الأزقة ،ولم يكن ليعير شكواها اهتماما وهو شبه غائب عن الوجود ،ويكتفي بقوله :”إنها أمي ، إنها تكبرك سنا عامليها كما تعاملين أمك ” ،”ولكن آمي لا تعاملني معاملتها ،إنها لا تتوقف عن  شتمي وعن ضربي “ينتهي دائما هذا الموضوع بتعنيف حياة وإرغامها على السمع والطاعة .

أكملت المسكينة سنة في بيت زوجها ،وضعت مولودا ذكرا ،قرر أبوه تسميته عيسى تيمنا بجده .

بلغ عيسى من العمر أربع سنوات أو يزيد بقليل ،قضاها في جو يعج بالفوضى والصراع بين أمه وجدته ،وشاهد خلالها مشاهد العنف تمارس على أمه ،وأحيانا كان هو الآخر ينال نصيبه كلما رفع صوته بالبكاء ،كانت حياة تحضن عيسى وتشتكي إليه قلة ذات اليد :”أبوك يا بني لا يعطيني ما أنفقه عليك ،وجدتك لا تترك لنا المجال حتى لنشبع بطوننا ،أعرف انك محروم من أشياء كثيرة تشتهيها نفسك ،إن قلبي يعتصر دما حين أراك تنظر إلى واجهات المحلات رغبة منك في طعام تأكله ،يعتصر قلبي دما حين أراك يا بني تنظر ،ولعابك يسيل ،إلى طفل يتلذذ بقضم قطعة حلوى يعتصر قلبي دما حين أرى ثيابك الممزقة وحذاءك الذي لا يقي رجليك من أذى الحصى  في الطريق وليس باليد حيلة هذه هي الجنة الموعودة التي طالما حلمت بها ،والله خبز حاف مع والدي خير لي ألف مرة من عيشة الذل والمهانة هذه “

تمر الأيام والليالي ويزداد الوضع سوءا ،وتتفاقم المشاكل ومعاناة حياة ،وتحل ليلة لم يعد فيها عبد الله إلى المنزل ،انتظرته حياة حتى الصباح ،خرجت تبحث عنه ،أخبرها احد الجيران أنه ألقي القبض عليه ليلا ،ذهبت حياة إلى المخفر تستفسر ،أخبروها انه متهم بجريمة قتل ،لقد قتل جليسه في الخمر منذ أسبوع وأخفى جثته .حوكم عبد الله بثلاثين سنة سجنا ،لتجد حياة نفسها بعد الحكم مباشرة مطرودة من بيت زوجها رفقة صغيرها ،حياة الآن في الشارع خاوية الوفاض ،ليس لها حتى ما تسد به رمق طفلها .باتت الليلة أمام البيت تبكي وتندب سوء حظها من الدنيا، لفظها القدر وهي بنت العشرين سنة، لتواجه عالما لا تعرف عنه شيئا.استضافتها إحدى جاراتها بضع أيام،حتى وجدت المسكينة عملا في إحدى المقاهي ،وسط المدينة ،التحقت في يومها الأول بمقر العمل وهي تجر ابنها ،سألها صاحب المقهى :”كيف ستشتغلين صحبة إبنك ؟لن يتركك تعملين ،الطفل يتحرك قد يصاب بمكروه ،إما أن تأتي من دونه أو ليس لك عندي عمل ” ،”سيدي ليس لدي مع من سأتركه ،لا تخف سيدي سأعمل كل ما تطلبه مني ،لا املك ما أطعمه أنا وابني ،أستحلفك بالله لا تردني خائبة ،أنا وحيدة وليس لي في هذه المدينة عائلة وزوجي متوفى “رق السيد لحالها وسمح لها أن تبدأ العمل على أن تجد لأمر ابنها حلا.اكترت حياة من مضيفتها غرفة واتفقت معها على حضانة عيسى مقابل ثلث الأجرة التي ستتقاضاها من عملها في المقهى .

استمرت حياة في عملها في المقهى بالتناوب مع خادمة أخرى وأصبح لها بعض الوقت لرعاية ابنها، ومع أن الراتب ضئيل جدا إلا أنها حاولت تدبير نفقتها ،تنفق  وتدخر .سجلت حياة عيسى بروض للأطفال استعدادا لتسجيله بالمدرسة ،

كان عيسى يسأل عن أبيه كثيرا ،تخبره حياة انه سافر إلى أوربا من اجل العمل ،وانه يرسل له النقود ليشتري ما يشاء ،وكانت كلما عادت من المقهى أعطته قطعة حلوى على أن أباه من أرسلها له ،وهي في الحقيقة من صاحب المقهى الذي سمح لها يوميا بأخذ قطعتين منها لصغيرها ،كانت المسكينة تخفي عن ابنها حقيقة أبيه حتى لا يكرهه ،ولم تكن في خضم هذا كله تنسى زيارة زوجها مرة في الشهر.مرت ثلاث سنوات على سجن عبد الله ،أخبرها في إحدى زياراتها له أنه قتل صديقه من أجل مال سرقاه معا ،وقد أخفى المال ،ودلها على مكانه ،وطلب منها إنفاقه على أمه وعلى ابنهما عيسى ،لم يحاكم عبد الله عن السرقة ولم يكن مشار إليها فى ملف القضية رفضت حياة أن تطعم ابنها من المال الحرام وقررت إعادته لصاحبه ،فعبد الله لن يستطيع أن يفعل لها شيئا ،فمصيره في السجن سيطول ،بقيت أمامه سبعة وعشرون سنة ،يفعل الله فيها ما يريد ،عرفت حياة من عبد الله صاحب المال ،كان المبلغ كبيرا جدا ،ولم تكن حياة ،قد رأت مثله من قبل .

توجهت حياة إلى صاحب المال وأخبرته قصتها كاملة وسلمت له المال ،قائلة ،:”زوجي الآن في السجن بسبب هذا المال فقد قتل من ساعده في سرقته ،وهذا هو مآل الحرام ،أنا عندي أبن وحيد لا أريد أن يكون مصيره كأبيه ،أنا أطعمه الحلال وإن كان قليلا ففيه البركة والحمد لله ” ،”هذا المال يا ابنتي كنت قد نسيت  أمره ،هو أصلا حق الله في أموالي من الزكاة كنت سأتصدق به على المساكين ،وكان بإمكانك الاحتفاظ به وما دمت سخية هكذا رغم ظروف عيشتك المزرية ،فسأكون انأ أيضا سخيا معك هذا المال ،حلال عليك ،اشتري منه منزلا يسترك أنت وابنك والباقي افعلي به شيئا ينفعك في مستقبل حياتك وإن صعب عليك أمر فأنا رهن الإشارة سأكون لك بمثابة الأب ” .ذرفت حياة دموعها من الفرح وقبلت يد الرجل ولم تتوقف عن الدعاء له ،طلب منها أن تخبره بمسكنها الجديد حالما تنتقل إليه .

فتحت حياة دكانا لبيع المواد الغذائية بمسكنها الجديد ،استقدمت حماتها فيه واعتنت بها عناية خاصة واشتغلت بهمة وعزم شديدين ،مرت سنوات وكبرت تجارتها ،التحق ابنها عيسى بكلية الطب وتخرج منها وعين في نفس المدينة التي يقطنها وأمه .

لم يعرف عيسى أن أباه مسجونا ،لأن حياة أقنعت أبنها أن الأب انقطعت أخباره ولم تعد تعرف عنه شيئا .

دخل عيسى ذات يوم منهكا من عمله بالمستشفى مباشرة إلى غرفة نومه وتوسل من أمه ألا توقظه ،في الصباح أخبرها أنه أجرى عمليه لأحد السجناء كان به تورم بالقلب وأن العملية كللت بالنجاح ،سمعت أمه السجين فسألته عن اسمه ،أجابها :” لم انتبه إلى اسمه لأن حالته كانت مستعجلة ،وقد سمعت احد الممرضين يسأل أين المريض عبد الله ربما هو صاحب الاسم “كانت حياة تعرف أن زوجها يعاني من تورم في القلب .ارتبكت وتلعثمت في حديثها عن المريض ،انتبه إليها عيسى وأومأ إليها برأسه مستفهما ،،أدارت عنه وجهها وانصرفت ذهبت في نفس اليوم إلى المستشفى تسأل عن المريض الذي أجريت له العملية ،عرفت انه زوجها فقررت إخبار ابنها بأمر أبيه .علم الابن حقيقة والده ،بكى بكاء مرا وغضب من أمه ،لكنه اقتنع بوجاهة رأيها عندما شرحت له موقفها “لم أكن لأخبرك ،لكي لا تكره أباك ،ولكي لا تحس بين الناس بالخجل ،خفت أن تفقد ثقتك بنفسك ،وما كنت ستنجح في دراستك يا بني لأنك ستنشغل بأبيك ،اعذر خوفي عليك ،أنت قلبي الذي ينبض بين جوانحي ،وما كنت لأسمح بضياع قلبي وروحي مني ،أبوك يا ولدي الآن بحاجة إليك ،لا تتخلى عنه ،سيكون بيننا العام المقبل إن أطال الله في عمره “قبل عيسى يدي أمه ورأسها ،لا عليك يا أرق أم في الدنيا ،لو طلبت مني عيني لوهبتهما لك ،أبي فعل ما فعل وأخذ جزاءه ،أسأل الله له المغفرة ،وسيبقى أبي كما أنت أمي .”

شاهد أيضاً

الرواية الفلسطينية بين غربة المكان وضياع الهوية

الرواية الفلسطينية بين غربة المكان وضياع الهوية الشاملة بريس بالمغرب وأوروبا- إنجاز: د الغزيوي أبو …

مسرحية “خيط بلا راس”

مسرحية “خيط بلا راس” تعيد طارق بورحيم إلى الخشبة في أيام القنيطرة المسرحية الشاملة بريس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *