ه : هل من حروب عادلة ؟

الشاملة بريس- اطلانتس الجديدة ارض الحكمة
رماز الأعرج , (المحاضرة 23 )
(التنمية المستدامة , جذور إشكاليات وحلول)

ه : هل من حروب عادلة ؟

قبل الدخول في خضم الموضوع دعنا نلقي نظرة على معنا مصطلح العدالة في قاموس اللغة العربية لتدقيق المعنى قبل البدء في الرحلة ,

 

المعجم العربي الجامع :

العدل : لزوم الحق وعدم الجور (مصطلح)

العدل : التوسط بين الإفراط والتفريط (فقهية)

عدل بين المتخاصمين : أنصف بينهما وتجنب الظلم والجور , أعطى كل ذي حق حقه

العدل , من الناس : من اجتنب الكبائر ولم يصر على الصغائر وتحاشى من التصرفات ما فيه خسة (فقهية)

(انتهى الاقتباس)

 

هذه بعض النماذج من القاموس العربي اقتباس حرفي , وهنك معني وتصريفات كثر للكلمة كفعل واصطلاح , ولا داعي لإدراجها جميعها , وهذا النموذج المقتبس كافي لحاجتنا هنا في السياق .

 

من البداية نلاحظ اتساع المعنى , وإمكانية تجيره , واستعمال كلمة عدل في اللغة العربية خاصة واسع ومتنوع , ويستعمل كفعل , و فقهي ومصطلح وكثير وجوده في الاستعمال المجازي والتعبيري أيضا , ولكن في النهاية نرى أن الكلمة في كل أحوالها تستخدم للدلالة على الإنصاف والتسوية والتناصف والمساواة والتوازن , ولكن بالضرورة أن يوضح أي توازن , وأي عدل ليكون المفهوم مكتمل , وفي السياسة والصراعات يدخل هذا المفهوم في أماكن مختلفة عنها في أي كمان أخر , وسنأتي على ذلك في مكانه .

 

الحرب هي ظاهرة و صراع بشري تاريخي متوارث بين قوى متصارعة على الموارد ومصادر الحياة , وهذا يعني أن الشعب أو أي جماعة في ظل نظام اجتماعي وسياسي غير متوازن تكون معرضة لخطر الجوع والفقر أن لم تمتلك قوة ما لحماية مصالحها , وسبب الحروب الأساسي هو طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المورث الذي لا يحقق التوازن المطلوب في النظام الاجتماعي بشكل عام , مما يجعل المجتمع في حالة صراع مستدام لا يتوقف .

 

وبذلك تصبح الحروب ضرورة للشعوب أذا اضطرت لذلك , ولكن ليس في جميع الأحوال , والحرب دوما هي بين طرفين مختلفين بالضرورة على قضايا مادية واقتصادية وسياسية مباشرة , وهنا يبرز تضارب المصالح , وما هو المعيار الحقيقي الممكن للكشف عن طبيعة الصراع , وهل الحرب الدائرة في هذا المكان أو ذاك من العالم هي عادلة بالنسبة لطرف معين من الأطراف , أم أن الطرفين في حالة ظلم وضلال , كيف نستخلص العدالة من الحروب وما هي هذه العدالة .

 

ما هي معاير هذه العدالة ؟

 

في السياسة للمفاهيم تفسيرها الخاص و العدالة مفهوم اجتماعي وأخلاقي و حقوقي وسياسي أيديولوجي بامتياز , وهذا يعني انه حمال للأوجه , ومعرض أن نجده في سياقين متضادين بين طرفين , وكلا منهما يدعي ولديه الحجة والبينة أن موقفه هو الحق والعدالة , والصراع المحتدم بين أي طرفين سيكون له عدة أوجه , وكلا سيراه من زاوية مصالحه السياسية والإيديولوجية وبناء على ذلك يحدد موقفه من العدل , ومع أي الأطراف في الصراع الحق وبذلك العدل أيضا , هذا من اعقد القضايا في الصراع العنيف والحروب .

 

وحين تشتعل الحرب , تنهار المنظومة الأخلاقية والقانونية والعرفية للمجتمع , وتسود أخلاقيات ونظام الظاهرة الجديدة وتابعياتها , وبذلك تنهار المعايير المعتادة والدارجة والمضبوطة التي كانت تنظم سير حياة المجتمع , وهذا ما يجعل من المعاير صعبة الآن في هذه الحالة , أي معيار هو الحكم بعد أن انهارت المنظومة الأخلاقية القيمية جميعها , وأصبح منطق القوة والحسم في الميدان هو الحكم الآن .

 

وفي هذه الحالات يصبح الطرف الأقل قوة هو الطرف الذي سيقدم التنازل , والحلول ستكون حتما على حسابه هو أي كانت , وليس المفاوضات والجهود الدبلوماسية التي تبذل سوى محاولة لإقناع الطرف الخاسر بقبول الهزيمة والتنازل عن حقه المشروع الذي دافع عنه وما زال , ولكنه غير قادر على فرض إرادته على الأرض بالقوة بحكم موازين القوى المتفاوتة , وهنا تتجلى ماهية العدل في المجتمع الغير متوازن والتعسفي , كما هو حال النظام العالمي المعاصر , نظام البلطجة و التنمر وفرض كل ما يريده القوي بالقوة وهذا هو العدل والحق المعترف به دوليا بحسب أخلاقيات العصر الحديث الزائفة .

 

أن العدل اليوم هو تمثيلية يشكلها القوي المنتصر ويصنع من جرائمه بطولات عدل وإنسانية وأخلاق لا مثيل لها , ويحول حروبه واعتدائه على الآخرين إلى عدل وحق وخير , وانتصار للعدالة , وتنمره واستقوائه على الأضعف منه إلي بطولات وانتصار على الشر , أن العدل في السياسة ليس عدل بل موازين قوى , وصراع مصالح وعقول وتصادم قوى جبارة متناحرة لا تعرف القيم أو غيره بل تعرف مصالحها وغاياتها التي تبرر لها جميع الوسائل حتى وأن كان قذرة ومقيتة ولا أخلاقية .

 

أن طبيعة الصراع العالمي الحديث أدخل العالم في أزمة أخلاقية مفاهيمية وسياسية متصاعدة وتشكل جزء من الأزمة العالمية المعصرة , أي أزمة معير وقيم و تجديد العلاقات البشرية جميعها بما ينسجم والمرحلة الجديدة من التطور العلمي والتقني والرقمي الغير مسبوق , الذي حول العالم إلى قرية حقيقية مفتوحة على مصراعيها بلا حدود .

 

الحرب دوما مختلف على عدالتها , وكل طرف يدعي عدالة سلوكه وردود أفعاله , سواء كان معتدي أو معتدى عليه في البداية , أو في النهاية الجميع يرى انه على حق ولديه مبرراته القوية و المسندة برؤية وظرف ما ومصالح لحق بها الضرر بشكل أو بآخر .

 

الخلاصة كما نرى أن العدل في السياسة له معاير مغايرة عنه في مواقع أخرى وهذا الدليل أمامنا في الواقع المعاش ولا داعي للذهب بعيدا لفهم الموضوع بوضوح , ولكن هناك فارق طبعا بين طرف معتدي وطرف يدافع عن نفسه في الفهم العادي المباشر , والطرف المعتدي عليه له الحق في جميع الأحوال الدفاع عن نفسه , ولكن الحرب بحد ذاتها ليس سلوك عادل أو مقبول , ولكن حين تكون مفروضة على احد الأطراف الأمر مختلف حتما بالنسبة للطرف المتعرض للاعتداء , ولكن الحلول في الحروب ليس بالضرورة أن تكون عادلة أو منطقية , بل يفرضها قانون توازن القوة .

 

في القانون الدولي مثلا في مجلس الأمن الدولي هناك خمسة دول فقط لها ما سمى حق (الفيتو) وهو حق يمنح الدولة المعترضة حق نقض القرار ووقف تنفيذه , وهذا جاء على خلفية الدول المنتصرة في الحرب العالمية , أي حق القوي في أن ينقض قرارات الغير , ووقفها أيضا , وهذا غير متاح للجميع , من حيث المنطق هذا ليس إنصاف ولا عدل , ولكن العدل في الحروب والسياسية وموازين القوى له معاير مختلفة , معاير لا علاقة لها بحقوق الإنسان أو العواطف أو غيرها من المفردات , في الحرب هناك قانون واحد فقط هو قانون القوة والمصالح وحسب .

 

هنا لا يشمل السياق موضوع مفهوم الثورات الشعبية , والجماهيرية المنظمة بكل أشكالها , بل سياقنا يدور حول الحروب التقليدية ولصراعات العنيفة الخشنة , والحروب في النهاية لا يمكن أن تكون عادلة , ولو كان هناك عدالة أصلا في النظام الاجتماعي والسياسي المعاصر لما شهدنا أي عنف أو حروب , وغياب العدالة والمساواة بين الناس يشكل سبب هام من أسباب الحروب , والعدالة لا تحتاج إلى قوة السلاح والعنف لحمايتها و لترسيخها , بل العدالة بحاجة إلى نظام اجتماعي و وعي جمعي متطور وقوانين معقولة تنصف الضعفاء من الناس وتساوي بين جميع البشر .

 

إن مفهوم العدالة السياسي المعاصر الممارس في التطبيق من أكثر المفاهيم السياسية المعاصرة التباسا , وله الكثير من المكاييل المتباينة في الممارسة والتطبيق , التي تستخدم بحسب المصالح وطبيعة الظروف والأزمة وتوازنات القوى , وطبيعة الصراع ومن يديره من الخلف , ولم تعد اليوم من حروب بلا إدارة خلفية وتجارة وبلا تحالفات خارجية بعيدة دولية وإقليمية , وبذلك تصبح الصراعات خارجة بالكامل عن مفهوم العدالة الدارج والمعروف , وهذا يعطينا الدليل القاطع أن لا عدالة في الحروب ولا عدل إلا بالسلم والوعي والمنطق والقانون والتشارك بين الشعوب وتقاسم الثروات بينها بدل الصراع المستدام عليها , وحماية الطبيعة والبيئة والحياة بشكل عام .

 

إن العدل الحقيقي في عرفنا واضح و معروف , وأي مشروع مضر ومعيق لأهداف التنمية المستدامة هو مشروع غير عادل , ومفهوم العدل الحالي في الفهم السياسي والسياسة العالمية ذات المكيالين هو باطل , و مزين يثوب العدل و الحق بالكذب والخديعة و بالعنف والقوة والغطرسة , ولا يوجد أي منطق غير ذلك حتى اليوم يضبط الواقع الدولي الحالي المضطرب والمستدام الأزمات , بعد ثبوت فشل وعجز الأنظمة السياسية المعاصرة جميعها عن وضع الحلول المنطقية المقبولة لحياة البشرية وأزماتها المعاصرة المستدامة والمتصاعدة , مما يعني أنها غير جديرة ولا مؤتمنة لا على إدارة المجتمع وحياته ولا على الطبيعة والحياة على كوكب الأرض .

رماز

ارض الحكمة

شاهد أيضاً

تعبئة شاملة للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس من أجل سلامة المواطن وممتلكاته في مواجهة التقلبات الجوية

تعبئة شاملة للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس من أجل سلامة المواطن وممتلكاته في مواجهة التقلبات …

العِلم رسالةُ نهضة… والابتكار جسرُ المستقبل

العِلم رسالةُ نهضة… والابتكار جسرُ المستقبل الشاملة بريس بالمغرب وأوروبا- بقلم: الدكتورة أمل سعد DrAmal …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *