دور المثقف العضوي اتجاه قضية فلسطين والقضايا الوطنية والقضايا الإنسانية

دور المثقف العضوي اتجاه قضية فلسطين والقضايا الوطنية والقضايا الإنسانية

الشاملة بريس بالمغرب وأوروبا- بقلم : عبدالإله الوزاني التهامي

ما دور المثقف العضوي اتجاه قضية فلسطين وقضايا الإنسان عموما؟!
كيف يستطيع المثقف العضوي أن يحقق مجتمعا تسود فيه الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية، في ظل هيمنة “نظام دولي” متسلط منحاز للكيان الغاصب ؟

للمثقف العضوي مهام جسيمة تتمثل في أن يقوم بتبني قضايا الناس والدفاع عنها والتعريف بها وقيامه أكثر من ذلك بعمليات تشريح لمجتمعه، من أجل اكتشاف الداء ووصف الدواء، لأنه لا ينبغي له الانطلاق من القوالب والأحكام الجاهزة التي أعدها له الحاكم أو السياسي أو أي فاعل آخر، وعليه ألا ينظر إلى قضايا المجتمع والأمة بالمنظار الذي وضعه الآخرون، بل عليه أن يكون مستقلا وينطلق من الحيوية الفكرية المستقاة عناصرها من وجوده الميداني في عمق المجتمع وطنيا وكونيا.

معلوم أن عبارة المثقف العضوي، هي لصاحبها “أنطونيو كرامشي”، الذي نطق بها من داخل سجنه، وهي تختزل مفهوما عميقا عن ارتباط المثقف بالجماهير، وأما في تراثنا فالمثقف يأخذ أبعادا أكثر شمولية ومسؤولية، إذ تعني الحضور المسؤول لكل ذي ضمير حي وكل ذي عقل راجح وكل ذي غيرة صادقة، بين الجماهير، لأن الحضور المسؤول والشهادة بالقسط وسط المجتمع أكثر حمولة للمعاني من غيرهما، فالحضور المسؤول والشهادة بالقسط، تعني فيما تعنيه، أن المثقف فضلا عن كونه عنصرا عضويا من بين عناصر المجتمع، فهو أيضا شاهد بشكل فعلي على كل صغيرة وكبيرة تعتمل وتختمر في رحم وفي واقع المجتمع، وما تحمله تلك الشهادة من تبعات عليه القيام بما يلزمه اتجاهها.

إن المثقف العضوي الحاضر بين الناس والشاهد بالقسط، له مشروع إصلاحي وتغييري يمس عالم الاقتصاد والاجتماع والسياسة والفكر والثقافة معا، بواسطة الاندماج الميسرة لعمليات الإقناع والتأطير والتنظيم، التي بدونها سيظل المثقف وحيدا خارج السرب، إن مهمة الرفع من المستوى المدني للجماهير مهمة ضخمة تتطلب مثقفين من مستويات عالية، ليس المستوى التعليمي الأكاديمي فقط وإنما مستوى التميز عن بقية أفراد المجتمع بالإقبال على التفكير وإدراك التحديات الضاغطة على مجتمعه سواء منها الداخلية أو الخارجية، التي تمكنه من اتخاذ مواقف حاسمة في قضايا خطيرة.

لهذا فالمثقف ليس في حاجة لمن يموقعه في المجتمع أو يصنفه، لأن نزوله الميداني إلى ساحة الفعل خدمة للمجتمع أو نصرة لفلسطين وللقضايا العادلة، هي التي تزكي صفته كمثقف عضوي فاعل حاضر شاهد، بسبب ارتفاع منسوب الوعي الاجتماعي لديه الذي يدفعه إلى النهوض بدوره كاملا لصالح المنطق والعقل.

ويقول البعض في الموضوع بأنه ليس ضروريا أن يكون المثقف حاصلا على شواهد عليا، ليقوم بمهامه، بل يمكن لأي كان أن يلعب ذلك الدور شريطة تسلحه بما ذكرنا من القيم والمثل والمبادئ، مع امتلاكه لأقل مستوى دراسي أبجدي، ييسر له الاندماج والتعاطي والتفاعل مع القضايا المجتمعية فهما واستيعابا وتقديرا، وبالعكس تماما نجد مثقفا أكاديميا له شواهد عليا لكنه منزو ومتقوقع على نفسه، يخدم -عن قصد أو عن غير قصد- أجندة أعداء المجتمع من حاكمين ولوبيات فساد اقتصادية وسياسية ومذهبية، ومن باب التواضع تبدو على المثقف العضوي صفات البساطة واليسر بين يدي أبناء المجتمع، بخلاف السياسي أو الأكاديمي الرسميين، إذ تلمس في تصرفاتهما دلائل الوصاية على المجتمع والتعالي عليه.

فنجد من المثقفين من له تحصيل عالي من العلم بمفهومه الشامل، ونجد المثقف الوطني الميال إلى الاهتمام الكبير بشؤون الوطن السيادية والسياسية، ونجد مثقف السلطة الذي هو بمثابة لسان حال وترجمان السياسات الرسمية، ونجد المثقف الخبير، -التكنقراط- المتسلح بخبرة علمية في ميدان علمي صرف، ونجد المثقف المهني والمحترف الموجود بين شرائح المجتمع، وكلها فئات قد نعتبرها ضمن إطار “المثقف العضوي”، إن غادرت قعوسها ونكوصها وميلها نحو خدمة أجندة منافية لأجندة الطبقات الاجتماعية ومضادة لمصالحها.

فلا معنى لأن يسمى المثقف عضويا، إلم ينزل من برجه العالي ويقطع مع الانزواء والتقوقع، وكذلك إلم يصنع لنفسه معية شركائه من المثقفين، أرضية اجتماعية صلبة للانطلاق منها نحو تحقيق مراده الذي هو مراد عامة أبناء الشعب، خاصة وأن الحاجة تزداد إلى المثقف العضوي الذي يتألم لتألم الجماهير ويترح لترحهم ويفرح لفرحهم، في ظل هيمنة مثقف السلطة ومثقف المال والنفوذ، محليا ودوليا، ولن يستطيع القيام بمهامه كاملة إلا بعد تجسير الفجوة بينه وبين الجماهير، و ذلك من خلال وجوده في كل القطاعات والميادين ، أفقيا وعموديا، وتفاعله مع كل القضايا العادلة، فالإمام والفقيه والخطيب في الجوامع والمساجد مثقفون عضويون عليهم أن يقوموا بتأدية رسالتهم كاملة، والفلاح في حقله، والبناء في ورشته، والفنان بلوحته، والشاعر بقصيدته، والبحار بقاربه ومجدافيه، والإسكافي والتاجر والأستاذ والموظف والكاتب الصحافي والناشط الجمعوي، والمدونون على الفيسبوك، وكل إنسان يؤدي عملا اجتماعيا أو اقتصاديا أو علميا أو طبيا، إلا وله رسالة تعتبر أمانة على عاتقه، عليه أن يؤديها على أحسن وجه باعتباره مثقفا عضويا حاضرا بين الناس وشاهدا بالقسط على ما يجري في مجتمعه. ومن ذلك الضغط على القوى الداعمة للصه-يونية، بنصرته بشكل واضح ومباشر للقضية الفلسطينية بالطرق الممكنة مضمونة النتائج الإيجابية.

وعلى مستوى فعله الميداني يمكن للمثقف العضوي أن يحمل على عاتقه مهمة انتشال أبناء المجتمع من قبضة الحكام المستبدين، الذين يدفعون بالشباب نحو الهجرة بوسائل مذلة، ــ ينتشلهم ــ بعمليات التربية والتأطير والتوجيه والترفيه والتثقيف، حتى يتحولوا من عوامل هدم إلى عوامل بناء، وتتحول طاقاتهم من الهجرة عبر قوارب الموت، إلى تفجير المواهب والإبداع وتفتق الأفكار، لأن الأنظمة الفاسدة كما نرى بأم أعيننا يوميا، لا تزيد أوضاع المجتمعات إلا ضغطا واحتقانا ويأسا، ومن ثم هجرات جماعية أو فردية، وتفجير للذوات في الداخل أو في الخارج، أو الخضوع بفعل الإكراه النفسي الممنهج، إلى تعاطي مواد مدمرة من مخدرات وكحول وغير ذلك.
صحيح أن المثقف العضوي النبيه يعمل منفردا على إنقاذ أبناء المجتمع من الهوة السحيقة التي تدفعهم نحوها سياسات الأنظمة الفاسدة المستبدة .

في الجملة إن المثقف العضوي، شخص ذو مواقف ومنتج للإبداع وصانع للأفكار، لا يخنع للصمت ولا للانزواء مهما كانت الضغوط والظروف، فهو بتلك الصفات يعمل على فتح أعين المسؤولين ليتعرفوا على النقط السوداء في المجتمع والمؤسسات التي تتطلب تدخلا استعجاليا، ومسؤول عن تنبيه الغافلين من السياسيين، ومسؤول عن قذف الرعب في نفوس المستبدين والمفسدين -اتجاه تقصيرهم-، ومسؤول عن إزعاج المفسد أثناء ممارسته لفعل الفساد وإرغامه على التوقف عن فساده، ومسؤول مباشر عن زراعة الأمل بين أبناء المجتمع حتى يتحركوا ويتململوا ويبحثوا عن المهمة التي يجب عليهم القيام بها ضمن المنظومة الاجتماعية الواسعة، ومسؤول عن بذر جينات الحياة في رحم المجتمع المصاب بيأس يدفعه دفعا نحو الانتحار والموت السريع. ومسؤول بدرجة مهمة عن التصدي لتأثير تغول وتجبر الكيان الصه-يوني داخل الوطن العربي والإسلامي، ومسؤول عن المشاركة في وقف عدوانية الكيان الغاصب ضد الشعب الفلسطيني صاحب الأرض.

لكن -في أوطاننا- بدون التحلي بالشجاعة اللآزمة وبالحكمة المطلوبة وبالتفكير السليم وبالمعرفة الدقيقة، لن تؤتي مجهودات المثقف العضوي الحاضر الشاهد أكلها، في ظل هيمنة لوبيات الفساد المنتشرة في كل القطاعات والمهيمنة على البر والبحر والجو، ممكن وبالتأكيد أن يحدث تأثيرا عميقا في مجتمعه إن تحلى بفكر راشد وبعقل راجح وبحكمة مستنيرة، موظفا أثناء عملياته المقاومة النضالية، كل العناصر الإيجابية الموجودة على الأرض لصالحه، بغية تحقيق هدفه الأسمى أي إسعاد المجتمع وإخراجه من تعاسته، واستعادة عافيته، يساعده في ذلك حذقه ومهارته وذكاؤه، ولا تكتمل ــ أو تبتدئ ــ سعادة المثقف العضوي، إلا عندما يرى أفراد المجتمع سعداء.

وانضافت في الحقبة التاريخية التي نحياها، التي تتصف بحساسية مفرطة على مستويات عدة مهامه، وتحديدا في أن ينزع فتيل الفتنة والاقتتال وإراقة الدماء داخليا، بعمله الحكيم الدؤوب المحرض على التقارب والتآخي و التوادد و التراحم والابتعد جهد الإمكان عن التنطع والتطرف والاحتقان، وعن كل ما من شأنه أن يزلق بنا أقدامنا نحو هاوية سحيقة، رغم أن غالبية الحكام هم من يزيدون الطين بلة و هم من يجرون شعوبهم إلى الهاوية غير محمودة العواقب بإفسادهم في الأرض ونهبهم وتعسفهم واستبدادهم المطلق، وذلك إيمانا من هذا المثقف العضوي الحكيم بضرورة استحضار أهمية الأمن والاستقرار والطمئنينة، في مسيرة ومسار كل حركة تغييرية هادفة إلى بناء إنساء إيجابي جديد وجعله وسيلة لإسعاد كل البشرية وإخراج أفرادها من ظلمات الجاهلية إلى نور الفطرة الآدمية.
بهذا، سيكتب للمجتمع وللأمة ولادة جديدة تنهض بالدين والدنيا، وتردع الطامعين وترعبهم، وتحرر الأرض المحتلة من مغتصبيها.

شاهد أيضاً

أفيون للفقراء أم بزنس للأغنياء ؟

أفيون للفقراء أم بزنس للأغنياء ؟ الشاملة بريس بالمغرب وأوروبا- إعداد: عبده حقي إنها كرة …

تأملات سريعة في عصر القلق

تأملات سريعة في عصر القلق الشاملة بريس بالمغرب وأوروبا- إعداد: عبده حقي يبدو أن هناك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *