
تنزيل الإصلاح التربوي في المغرب: دراسة حالة مشروع المؤسسة بتيزنيت ( الجزء الأول)
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: عمر أوزكان إطار تربوي وناشط حقوقي 
يشكل مشروع المؤسسة المندمج إحدى الركائز المركزية للإصلاح التربوي الذي انخرط فيه المغرب، باعتباره الآلية العملية لترجمة مقتضيات القانون-الإطار 51.17، وتنزيل أهداف خارطة الطريق 2022-2026، خاصة ما يتعلق بتحسين جودة التعلمات، تقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث، وتكريس مدرسة عمومية ذات جودة للجميع.
غير أن هذا البناء النظري المتماسك والاستراتيجية الوطنية المعتمدة تصطدم، على مستوى المديرية الإقليمية بتيزنيت، بواقع ميداني مقلق يكشف عن فجوة واسعة بين النص والممارسة، بين الإرادة المركزية والتنزيل المحلي. فمن أصل 87 مؤسسة تعليمية ابتدائية، لم تنفذ سوى 24 مؤسسة صرف اعتمادات مشروع المؤسسة، أي أقل من الثلث، في وقت يُفترض فيه أن يكون مشروع المؤسسة الإطار الوحيد، الملزم والموجه لتنزيل جميع البرامج الإصلاحية، بما فيها الدعم الممتد…
وقد أُحيط هذا المشروع بإطار تنظيمي ومالي صارم، من خلال مذكرات وزارية متتالية، آخرها المذكرة رقم 014×24 بتاريخ 6 فبراير 2024، إضافة إلى الدليل المسطري للتدبير المالي لجمعيات دعم مدرسة النجاح، المشترك بين وزارة التربية الوطنية ووزارة المالية، والذي جعل من الحكامة، والمراقبة، والافتحاص، شروطًا بنيوية لا مجرد توصيات.
مشروع المؤسسة بين قوة الإطار القانوني، ووضوح الالتزامات، وهشاشة التنزيل الإقليمي
يُعدّ مشروع المؤسسة المندمج حجر الزاوية في ورش إصلاح المنظومة التربوية، باعتباره الأداة العملية لترجمة مقتضيات القانون-الإطار رقم 51.17، والرافعة الأساسية لتنزيل أهداف خارطة الطريق 2022–2026، خاصة ما يتعلق بتحسين جودة التعلمات، تقليص الهدر المدرسي، وترسيخ مدرسة عمومية منصفة ودامجة. فقد انتقل المشروع، نظريًا وتشريعيًا، من مجرد وثيقة إدارية تنظيمية إلى إطار تعاقدي ملزم، يرتب مسؤوليات واضحة على مختلف مستويات التدبير، من المركز الى الإقليم فالمؤسسة، يحدد الأولويات، ويضبط الموارد، ويربط التخطيط بالتنفيذ، ويجعل من الحكامة والمساءلة شرطين بنيويين لنجاح الإصلاح.
وفي هذا السياق، لا يمكن القفز على المجهودات المهمة التي قامت بها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، سواء على مستوى التخطيط الاستراتيجي أو برمجة اعتمادات مالية وازنة, حيث خصصت 49 مليون درهم لدعم تنزيل مشاريع المؤسسات بالجهة. وقد واكب هذا الجهد إصدار مذكرات وجهوية مؤطرة، والتي شددت على مركزية مشروع المؤسسة، وعلى ضرورة الالتقائية بين مكوناته وبرامج الإصلاح، في انسجام مع الرؤية الوطنية الشاملة.
وقد تعزز هذا التوجه، بالإطار المالي الصارم الذي أرساه الدليل المسطري للتدبير المالي لجمعيات دعم مدرسة النجاح، المشترك بين وزارة التربية الوطنية ووزارة المالية، والذي نصّ بشكل واضح على مبادئ الحكامة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتبر المراقبة والافتحاص آليتين إلزاميتين في تدبير المال العام المخصص لمشاريع المؤسسات، وليس مجرد توصيات إدارية قابلة للتعطيل أو التأجيل.
غير أن هذا البناء القانوني والمالي المتماسك، وهذا الجهد الجهوي الواضح في التخطيط والتمويل(49مليون درهم)، اصطدم على مستوى المديرية الإقليمية بتيزنيت بهشاشة مقلقة في التنزيل، تجلت في ضعف المواكبة، وتعطيل آليات التتبع والمراقبة، وغياب الالتقائية بين مشروع المؤسسة وباقي البرامج الإصلاحية، وفي مقدمتها الدعم الممتد والتربية الدامجة، رغم كون الأخيرة حقًا دستوريًا وتربويًا للطفل، ومكونًا إلزاميًا وفق الإطار المرجعي الوطني للتربية الدامجة. وهو ما مهد لانزلاقات مالية، نتيجة تعطيل آليات المراقبة، مما تسبب في تفريغ برامج وطنية طموحة من مضمونها الإصلاحي.
24 مؤسسة من أصل 87: حين يحجب الشكل جوهر الإصلاح
وإذا كان هذا الخلل قد بدأ في مستوى التخطيط، فإن مخرجاته الميدانية تكشف حجم الاختلال بشكل أوضح. فعلى الرغم من وضوح الأهداف الوطنية المعلنة لمشروع المؤسسة، تكشف المعطيات الميدانية بمديرية تيزنيت عن تنزيل شكلي وإقصاء فعلي للتفاعل المؤسساتي. فعدد المؤسسات الابتدائية التي صرفت اعتمادات تنفيذ مشروع المؤسسة لا يتجاوز 24 مؤسسة من أصل 87، ما يطرح تساؤلات حول جدية التدبير ومصداقية متابعة الإنجاز. هذا النقص يعكس غياب تعبئة حقيقية لرؤساء المؤسسات التعليمية، وتخلي الإدارة الإقليمية عن دورها في التتبع والمواكبة والتكوين المرتبط بمشاريع المؤسسات.
وتكشف المعطيات أيضًا عن أعطاب جسيمة تم التستر عليها عمدًا: عدم تفتيش ومراقبة مالية جمعيات دعم “مدرسة النجاح” رغم اختلالات معروفة، وترك بعض رؤساء المؤسسات اختلالات مالية خطيرة دون محاسبة بمؤسسات ببلدية تيزنيت، ويتاكد ذلك في مدرسة مولاي الزين التي اختفت منها اعتمادات كبيرة من حساب الجمعية بعد وفاة مديرها.
ولم تبرمج المديرية الإقليمية أي تكوين لفائدة مدبري مالية المؤسسات التعليمية، -أعضاء مكاتب تسيير جمعيات دعم “مدرسة النجاح”- على الرغم من كونهم شركاء أساسيين وآلية لتنفيذ مشاريع الإصلاح، هذا الإغفال يعكس ضعف تقدير الإدارة للإطار المؤسساتي والتنظيمي الذي يضمن نجاح المشاريع، مما سمح بتراكم الاختلالات وإخفائها، فباتت الفجوة بين الطموح الوطني والواقع الإقليمي بتيزنيت أكثر وضوحًا وإضرارًا بالمدرسة العمومية. ويزداد هذا التعثر حدة حين ننتقل من مشروع المؤسسة كإطار عام، إلى أحد أهم مكوناته التطبيقية: الدعم الممتد.
الدعم الممتد ومشروع المؤسسة… انفصام غير مبرر
يشكل مشروع المؤسسة الإطار الذي يضمن انسجام جميع البرامج المرافقة، وفي مقدمتها الدعم التربوي والممتد، باعتباره الإطار استراتيجي الذي يضمن انسجام جميع البرامج الإصلاحية، وفقًا للإطار القانوني والتنظيمي. إلا أن واقع الميداني بتيزنيت يكشف عن فجوة مقلقة بين الإطار القانوني المثين والتخطيط الإستراتيجي المركزي والجهوي الرصين والتنزيل الإقليمي المختل. فلم يتم تنشيط حصص الدعم الممتد بمؤسسات العالم القروي، و16% من المؤسسات التعليمية الإبتدائية المنخرطة في مشروع الريادة لم تنخرط أصلا في الدعم الممتد، فيما بقي انخراط المؤسسات المنخرطة جزئيا ومحدود الأثر. مما يطرح أكثر من سؤال.
هذا الانفصام بين الإطار الوطني والتنزيل الإقليمي لا يقتصر على غياب التمويل أو البرمجة، بل يمتد إلى غياب التتبع والمواكبة من قبل الإدارة الإقليمية، وهو ما يجعل من مشروع المؤسسة والدعم الممتد مجرد خطط على الورق، لا أكثر. فالمدير الإقليمي لم يقم بتنسيق منتظم مع رؤساء المؤسسات، ولم تبرمج اجتماعات تقييمية دورية لمتابعة تقدم المشروع، مما يُعد إخلالًا صارخًا بمبادئ الحكامة الجيدة، وخرقًا لمعايير النزاهة والشفافية والمساواة التي يجب أن تُطبق على جميع المؤسسات التعليمية.
ويسائل هذا التعثر وتأثيره الإدارة الإقليمية على نسب الهدر المدرسي وانخفاض مستوى التحصيل، خصوصا أن الروائز الأخيرة كشفت عن 9 بؤر في كل من تافراوت وتيزنيت والساحل… فغياب التنزيل الفعلي لمشروع المؤسسة والدعم الممتد يُمثل إخلالًا بالتزامات الدولة تجاه التعليم العمومي، ويؤكد الانفصام غير المبرر بين النص القانوني والتخطيط الجهوي الرصين والواقع الميداني المؤلم، مما يجعل مساءلة المديرية الإقليمية ضرورة، وإجراء تفرضه مبادئ الحكامة، لضمان حماية حق التلميذ في تعليم دامج ومتكافئ.
أزمة القيادة والتأطير… رؤساء مؤسسات بلا مواكبة!
يُفترض في مشروع المؤسسة أن يُفعِّل دور رئيس المؤسسة كقائد تربوي، لا كمدبر إداري معزول، وأن يضعه في قلب دينامية الإصلاح عبر التأطير، والمواكبة، والتكوين المستمر. غير أن الواقع بمديرية تيزنيت يكشف عن أزمة قيادة حقيقية، حيث وجد عدد كبير من رؤساء المؤسسات أنفسهم مطالبين بتدبير مشاريع مركبة، ذات أبعاد مالية وتربوية وتنظيمية دقيقة، دون أي مواكبة فعلية أو دعم مؤسسي، في تناقض صارخ مع فلسفة الإصلاح التي تجعل من القيادة التربوية رافعة أساسية للتغيير.
ويتجلى هذا الخلل بشكل أكثر وضوحًا في تعطيل أدوار آليات المواكبة الميدانية، وعلى رأسها مجموعات عمل الأحواض المدرسية، التي تضم مفتشين تربويين ومفتشي التخطيط، والتي لم تخرج – بحسب المعطيات المتوفرة – ولا مرة واحدة لمتابعة تنفيذ مشاريع المؤسسات التعليمية بالسلك الابتدائي. إن هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد تقصير تنظيمي، بل يكشف عن عجز المنظومة الإقليمية عن توفير التتبع الميداني الفعّال، ويضعف الرقابة الداخلية، ويحوّل مشروع المؤسسة من ورش إصلاحي مؤطر إلى نشاط شكلي منفصل عن واقع المؤسسات التعليمية.
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة