
تنزيل الإصلاح التربوي في المغرب: دراسة حالة مشروع المؤسسة بتيزنيت (الجزء الثاني والأخير)
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: عمر أوزكان إطار تربوي وناشط حقوقي 
وفي ظل هذا الفراغ التأطيري، وجد رؤساء المؤسسات أنفسهم يشتغلون تحت الضغط، في غياب التوجيه والدعم، وفي مناخ يسوده التخوف من الإعفاء أو المتابعة بدل التحفيز والمواكبة. هذا الواقع أفضى إلى بيئة ضغط شديد، إذ أعرب 83٪ من رؤساء المؤسسات الابتدائية عن رغبتهم في مغادرة المديرية الإقليمية بسبب ما يواجهونه من إحباط، كمؤشر مقلق على تآكل الثقة داخل المنظومة. وهنا لا يعود الإخفاق مرتبطًا بقدرات الفاعلين المحليين، بل يتحول إلى مسؤولية إدارية مؤسساتية، لأن أي إصلاح تربوي لا يمكن أن ينجح دون قيادة مؤطرة، ومواكبة ميدانية منتظمة، تضمن تحويل النصوص الوطنية إلى ممارسة فعّالة.
تعطيل آليات الحكامة..الافتحاص والمراقبة الإدارية في خبر كان!
إذا كان تعطيل آليات المواكبة الميدانية قد أفرغ دور القيادة المحلية من جدواه، فإن تعطيل الافتحاص والمراقبة الإدارية يضاعف هشاشة تنزيل مشروع المؤسسة بتيزنيت ويضعف فرص إصلاح فعلي على الأرض. فبينما يشتمل المشروع على إطار تنظيمي ومالي صارم يربط بين صرف الاعتمادات والمسؤولية، فقد عمدت المديرية الإقليمية إلى تقييد عمل لجان المفتشين والمراقبة، بما في ذلك مجموعات عمل الأحواض المدرسية، وعرقلت تنقلهم إلى المؤسسات لمتابعة التنفيذ وإجراء الافتحاص المنتظم، محوّلة بذلك آليات الرقابة من أدوات فعّالة إلى صورة شكلية عديمة الأثر.
وتتجلى مظاهر التعطيل بوضوح في أن المديرية الإقليمية لم تقم ببرمجة أي برنامج افْتحاص لتنفيذ ميزانية مشاريع المؤسسات التعليمية، ما ترك العملية المالية عرضة للاختلالات وسوء التدبير، كما تم تهميش موضوع مشروع المؤسسة في الاجتماعات الرسمية للمديرية مع هيئتي الإدارة والتفتيش، مما حرَم رؤساء المؤسسات من أي توجيه أو متابعة ممنهجة، وفي الوقت نفسه لم يتم الافتحاص أو التفتيش عند انتقال أو وفاة المديرين، ما مهد لتراكم الاختلالات وإخفاء المخالفات المالية والإدارية، في ظل تعطيل اللجان المختصة من الانتقال للمؤسسات لإجراء التتبع.
ساهم تعطيل عملية افتحاص مالية المؤسسيات التعليمية الإبتدائية إقليميا، وغياب المواكبة الفعلية والتكوين المرتبط بمشاريع المؤسسات في تحويل مشروع المؤسسة إلى وثيقة شكلية لا ترتبط بالواقع المدرسي، بينما استُغل الإضراب الذي خاضه المتصرفون التربويون أحيانًا لخلط الأوراق وإخفاء الاختلالات، مما أدى إلى تعطيل فعالية المشروع على الأرض. مما يؤكد أن الإخفاق الإقليمي ليس مجرد قصور تنظيمي، بل مسألة منهجية في التدبير المحلي، وأن التنزيل الميداني لمشروع المؤسسة في تيزنيت لا يعكس الأهداف الوطنية المعلنة، بقدرما يشوّه الرؤية الوطنية للإصلاح، محوّلًا المشروع من أداة لتحسين التعلمات إلى ثقب أسود يبتلع المالية العمومية بدون أي أثر أو جدوى في الواقع.
إن تعطيل المديرية لهذه الآليات لا يمثل مجرد تقصير إداري، بل انحرافًا خطيرًا عن روح الإصلاح، لأنه يحوّل مشروع المؤسسة من أداة إصلاحية إلى نشاط شكلي، ويقوّض المصداقية الوطنية للإصلاح على المستوى الإقليمي. وهنا تتضح المسؤولية المباشرة للمديرية الإقليمية، التي لم تقتصر على إهمال الرقابة، بل قامت بتكبيل لجان المفتشين، وعرقلت الحضور الميداني، وأوقفت الافتحاص قبل أن يبدأ، وحرمت الفاعلين المحليين من أي تواصل أو توجيه مؤسساتي، وسمحت لتراكم الاختلالات وإخفائها، فباتت الفجوة بين الطموح الوطني والواقع الإقليمي أكثر وضوحًا وإضرارًا بالمدرسة
التربية الدامجة: حق الطفل أم متغير مهمل في التخطيط الإقليمي ومشاريع المؤسسات؟
تشكل التربية الدامجة أحد الأعمدة الحقوقية والبيداغوجية للإصلاح التربوي بالمغرب، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لضمان الحق في التعليم المنصف والمتكافئ لجميع الأطفال، دون تمييز بسبب الإعاقة أو الوضعية الاجتماعية أو النفسية. وقد نص الدستور المغربي على هذا الحق في الفصل 31، كما أكده القانون-الإطار رقم 51.17، الذي جعل من الإنصاف وتكافؤ الفرص مبادئ مؤسسة للمدرسة العمومية، ملزمة وواجبة التطبيق، لا اختيارًا تنظيميًا ثانويًا أو برنامجًا قابلاً للتأجيل. وبناءً عليه، فإن إدماج التربية الدامجة في التخطيط الإقليمي ومشاريع المؤسسات التعليمية لا يُعد ترفًا تدبيريًا، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا يهم مستقبل فئات واسعة من الأطفال في وضعية هشاشة.
وعلى المستوى التنظيمي، وضعت وزارة التربية الوطنية إطارًا مرجعيًا وطنيًا للتربية الدامجة، حدد مجالات التدخل، وأدوار الفاعلين، وآليات التشخيص، والتخطيط، والدعم، والتتبع. كما أكد على ضرورة إدراج التربية الدامجة كمكون أساسي داخل مشروع المؤسسة، مرتبط بالدعم التربوي والدعم الممتد، ومترجم إلى إجراءات عملية تشمل تهيئة الفضاءات، وتوفير الوسائل الديداكتيكية، وتأهيل الموارد البشرية، وبرمجة الاعتمادات المالية اللازمة. وقد شددت المذكرات الوزارية، وعلى رأسها المذكرة رقم 014×24 بتاريخ 6 فبراير 2024، على هذا الإدماج باعتباره شرطًا لتحقيق مدرسة عمومية دامجة ذات جودة.
غير أن الواقع الميداني بمديرية تيزنيت يكشف عن تجاهل عملي للتربية الدامجة، إذ جرى التعامل معها كعنصر ثانوي في التخطيط الإقليمي، دون انعكاس فعلي في مشاريع المؤسسات أو في برمجة الاعتمادات وآليات التتبع والمواكبة. ففي مدرسة المختار السوسي، جرى تكديس 36 تلميذًا في وضعية إعاقة داخل الفصول الدراسية، دون تفعيل المذكرة الإقليمية عدد 23/6255 أو القرار الوزاري رقم 19/047 المتعلق بالبرنامج الوطني للتربية الدامجة، ما حوّل هذا الورش الحقوقي إلى شعار بلا مضمون. ويعكس هذا الوضع ضعفًا في التخطيط الإقليمي وسوء توزيع الموارد البشرية، إضافة إلى غياب مقاربة استباقية لتفعيل الدعم الموجه للفئات الأكثر هشاشة.
ويتعزز هذا الاختلال بنقص حاد في التكوين، حيث لم تتجاوز المديرية الإقليمية خلال السنوات الثلاث الأخيرة ثلاث تكوينات فقط في مجال التربية الدامجة، استفاد منها 25 إطارًا تربويًا بالسلك الابتدائي كمعدل سنوي. ويأتي ذلك في إقليم يضم ما مجموعه 560 متعلمًا في وضعية إعاقة، موزعين على 392 بالسلك الابتدائي عبر 71 مؤسسة تعليمية، و83 بالسلك الإعدادي عبر 12 مؤسسة، و65 بالسلك الثانوي التأهيلي عبر 12 مؤسسة. ولم تتمكن سوى 20 حالة فقط من الولوج إلى التعليم الخصوصي، وبشق الأنفس. هذا الخصاص في التكوين ينعكس مباشرة على جودة الإدماج التربوي، ويُفرغ الالتزامات القانونية من مضمونها العملي.
ويزداد الوضع تعقيدًا بتهميش المفتش التربوي الدامج ع.أ، بصفته منسقًا إقليميًا للتربية الدامجة، حيث تُقيد تدخلاته وتُهمّش توجيهاته وملاحظاته من قبل الإدارة الإقليمية، ولا يتم التفاعل مع مقترحاته وخططه لمعالجة الوضع. وقد بلغ هذا التهميش حد حرمانه مما يستحق من تعويضات مرتبطة بمهام الاضطلاع بتتبع جميع المتعلمين في وضعية إعاقة بالإقليم والمؤسسات التي تحتضن قاعات الموارد للتأهيل والدعم.
هذا التجاهل الممنهج انعكس مباشرة على أوضاع 560 متعلمًا، وحوّل التربية الدامجة من حق دستوري إلى متغير مهمل في التخطيط والتنزيل. وفي هذا السياق، يطرح سؤال جوهري لا يحتمل التأجيل: هل غابت التربية الدامجة بتيزنيت بسبب نقص الإمكانات، أم نتيجة اختلال في الإرادة التدبيرية والتخطيط الإقليمي؟ وفي ظل استمرار حرمان مئات التلاميذ من حقهم الدستوري في تعليم منصف ودامج، هل ستتحمل المديرية الإقليمية مسؤولياتها القانونية والأخلاقية لتفعيل الإطار المرجعي الوطني للتربية الدامجة، أم سيظل هذا الحق رهين الانتظار إلى أن تتدخل جهة أخرى لتدارك اختلالات كان من الممكن تفاديها؟
حين يتحول الصمت الإداري إلى إخلال دستوري
لم يعد تعثر تنزيل مشروع المؤسسة بمديرية تيزنيت مجرد عطب تقني في مسار تنفيذ برنامج إصلاحي، ولا يمكن اختزاله في صعوبات ظرفية أو نقص في الموارد، بقدر ما أضحى وضعًا إداريًا شاذًا يطرح سؤال الالتزام الدستوري نفسه. فاستمرار تعطيل آليات الحكامة، والتتبع، والمراقبة، والافتحاص، في ظل توفر إطار قانوني وتنظيمي ومالي واضح، يجعل الصمت الإداري شكلًا من أشكال الإخلال بالواجب، لا حيادًا مؤسساتيًا.
إن الفصل 154 من الدستور يُلزم المرافق العمومية، ومنها الإدارة التربوية، بتقديم خدماتها وفق مبادئ الجودة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والاستمرارية، والإنصاف، وتكافؤ الفرص. كما ينص الفصل 156 صراحة على خضوع المرافق العمومية لمعايير الحكامة الجيدة، والمساءلة، والمراقبة، وتقييم الأداء. وأي تنزيل لمشروع المؤسسة خارج هذه المبادئ لا يمكن اعتباره سوى انحرافًا عن الغاية الدستورية للإصلاح، وتفريغًا لمفهوم المرفق العمومي من محتواه الوظيفي والحقوقي.
وأمام هذا الواقع، لم يعد طرح هذه الأسئلة خيارًا، بل ضرورة دستورية لا تقبل التأجيل: هل ستتحمل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مسؤوليتها الدستورية، وتُفعّل لجان تنسيق التفتيش الجهوي، وتباشر افتحاصًا تربويًا وماليًا جديًا، يعيد لمشروع المؤسسة اعتباره كأداة إصلاحية لا كوثيقة شكلية، وينقذ ما يمكن إنقاذه من برامج وطنية أالتهمت اعتمادات عمومية ضخمة؟ أم أن منطق الانتظار سيستمر، إلى أن يتدخل المجلس الأعلى للحسابات بتقارير مساءلة، لا لتصحيح المسار فحسب، بل لتشخيص أعطاب كان يمكن تداركها لو فُعّلت آليات الرقابة في وقتها؟
إن خطورة الوضع لا تكمن فقط في تعثر مشروع المؤسسة، بل في ما يكرسه هذا التعثر من ثقافة تدبيرية تُفرغ الإصلاح من محتواه، وتُضعف الثقة في المدرسة العمومية، وتمس بحق الطفل في تعليم منصف ودامج، وتحوّل المال العام من أداة للتنمية إلى عبء بلا أثر. وعليه، فإن المساءلة اليوم ليست ترفًا سياسيًا ولا مزايدة إعلامية، بل واجب دستوري وأخلاقي، لأن الإصلاح الذي لا تُحمى آلياته، ولا يُسائل مُعطلوه، يتحول من وعد جماعي إلى مسؤولية ضائعة، وحقوق مهدورة، وثقة عمومية تتآكل بصمت.
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة