حين يموت الإنسان في صمت… مأساة الوحدة في مجتمعنا
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: انوار العسري

لم تعد قصص الوفاة المفجعة تقتصر على الحوادث أو الأمراض، بل برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة أكثر قسوة وإيلامًا: أشخاص يفارقون الحياة في عزلة تامة، دون أن يشعر بغيابهم أحد. تمر الأيام، وربما الأسابيع، قبل أن يُكتشف رحيلهم، لا بفعل سؤال قريب أو طرق باب جار، بل بسبب انبعاث رائحة الموت التي تفضح صمت المكان ووحشة النهاية.
هذه الوقائع الصادمة تكشف عن تحولات عميقة في بنية مجتمعنا، حيث تراجعت قيم التضامن والتواصل، وحلّت محلها حياة فردانية سريعة، أنهكتها الانشغالات اليومية وضغوط العيش. لم يعد السؤال عن الأقارب واجبًا منتظمًا، ولا تفقد الجيران سلوكًا تلقائيًا كما كان في السابق، ما جعل الكثيرين يعيشون ويموتون في الظل، بعيدًا عن أي دفء إنساني.
إن مشهد نقل جثة إنسان داخل كيس، محمولًا على أكتاف رجال الوقاية المدنية، دون مشيعين أو مودعين، ليس مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار يدق بقوة في وجه الضمير الجماعي. هو دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لقيم صلة الرحم، والتكافل الاجتماعي، والاهتمام بالآخر، خصوصًا الفئات الهشة والمسنين الذين قد يخفون خلف صمتهم معاناة لا يبوحون بها.
المجتمع لا يُقاس فقط بتقدمه المادي، بل بمدى ترابط أفراده وحرصهم على بعضهم البعض. فالسؤال البسيط، والزيارة الخفيفة، والاتصال العابر، قد تكون سببًا في إنقاذ إنسان من عزلة قاتلة أو نهاية مأساوية.
لنجعل من هذه الظاهرة المؤلمة نقطة يقظة جماعية، نعيد من خلالها إحياء قيمنا الإنسانية الأصيلة: تفقّدوا أقاربكم، زُوروا جيرانكم، واسألوا عن من غاب صوته… قبل أن يتحول الغياب إلى فاجعة لا تُدارك.
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة