رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن سورة الواقعة
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الواقعة من أسماء شتى ليوم القيامة، مثل الحاقة والقارعة والساعة، ومعالم هذه السورة واضحة، فهي تبدأ بحديث وجيز عن انتهاء العالم وبدء الحساب، ثم تذكر صنوف الناس بعد البعث.. وهم أصحاب السبق البعيد، وأهل اليمين وأهل الشمال.
وتسوق بعد ذلك خمسة أدلة على أن البعث حق، وأن إنكاره خبال. وتختم بوصف لرحيل البشر عن هذه الدنيا بالموت، وبوادر تصنيف الأقسام الثلاثة، السابقين وأهل اليمين وأهل اليسار.
إن كثيرا من الناس تحت مشاغل العيش ووطأة الشهوات وسكرة الحاضر لا يحسون إلا وجودهم المادي الغريب. يقول أحدهم وهو ذاهل: ما أظن الساعة قائمة! ويقول الآخر: إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر!! وقد يحلفون على هذا المجون، ويؤكدون ألا حياة بعد الموت، {وَأَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّـهُ مَن يَمُوتُ}.
وترى ميت الغد يشيع ميت اليوم، وهو يحدث صاحبه فيما يراوده من أمل، ويخامره من طمع غير مستفيد من موكب الموت عبرة! وتمضى القرون وتطوى الجماهير، والمنكرون يزيدون ولا ينقصون، وللكفر صوت عال في المشارق والمغارب.
وبغتة تقوم الساعة، ويخرس صوت الإلحاد، ويتبدد صداه، {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}. إن الإنسان بطبعه مجادل، عنيد ولكن ما عساه يقول وقد وقع الهول؟ لقد جفَّت حلوق الأفاكين، فما يقدرون على لغو!
{خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}، هناك رؤساء وملوك سيبعثون سوقة وصعاليك لأنهم ما أعدوا لهذا اليوم عدة!! وهناك أخفياء مغمورون سيكونون يوم القيامة قمما! “ورب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة”، إنه يوم تصحيح الأوضاع، وفناء الزور وجلاء الحق!
ومن المفسرين من يرى الخفض والرفع في سطح هذه الأرض، كما جاء في الحديث: “يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى، ليس فيها معلم لأحد”. الكل حفاة عراة قيام لرب العالمين، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا}.
وكلا التفسيرين يكمل الآخر، ليس بينهما تدافع، فهناك زلزال اجتماعي يهدم ما شاء الناس من أباطيل ووضعوا من أنساب وألقاب، وهناك زلزال مادي بدأ وصفه في قوله تعالى {إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا}.
مع قيام الساعة تهيج زلازل تهد كل شيء، وتتحول بها الصخور الصلدة إلى ذر كتلك الكائنات الدقيقة التي نراها تسبح في الشعاع! {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّـهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.
ولسنا ندرى كم نبقى هنا قبل أن تتبدل الأرض؟ عشرات ومئات من القرون؟ إن تحديد الرقعة الزمانية غير مهم، المهم هو استتابة الحصاد الأخير لهذا التاريخ الطويل.
وقد بيَّن الله سبحانه أن أبناء آدم سيتوزعون على ثلاث زمر: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}.
ذكرت سورة الواقعة أدلة على أن البعث حق، فذكرت خمسة أدلة متنوعة من آفاق الكون، وتجارب الناس!!
الأول: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ}. لماذا يُتهم صاحب الخلق الأول بالعجز عن الخلق الثاني؟ إنني عندما أنسى درسا أتعب فيه، فإذا أعدته كان على سهلا!
وتنزلا مع هذا الفكر يقول الله في آية أخرى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}. وليس عند الله سهل وصعب وهين وأهون، ولذلك أتبع هذا التنزل بقوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
وقد تكرر هذا الدليل في سور كثيرة، وهو بديهي لا يرده إلا مكابر بليد، {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..}.
والقرآن الكريم يلح في طلب النظر. واستقصاء الفكر في هذا الوجود لمعرفة البدء والعودة! إننا موجودون يقينا فكيف وجدنا؟ والمتأمل في النشأة الآخرة، يرى استبعادها حماقة!
{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّـهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّـهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ}. وقد لخصت هذه المعاني كلها في آية قصيرة: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ}.
الدليل الثاني: إن الذي خلق العالم لأول مرة لم يبذل فيه جهده ويستنفد قدرته! إنه كل يوم، بل كل ساعة، بل في كل طرفة عين يتجدد خلقه! ويبدو ذلك في تخلق البشر، واستقبال ذريات جديدة باستمرار..
ويتقرر هذا الدليل في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
والمني سائل عجيب! فهذا الماء المهين ـ في منطق القادر الأعلى ـ تحمل الدفقة الواحدة منه مائتي مليون حيوان منوي. هذا الحيوان الذي لا يرى لضآلته يحمل في كيانه كل خصائص النوع الإنساني المادية والمعنوية.
ذلك معروف من قديم. ففي قصة الملاعنة التي وردت بسورة النور يقول الرسول الكريم في المرأة الحامل المتهمة: “إن جاءت به أكحل العينين سابغ إلاليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سعماء الذي رميت به…”!
انظر كيف انتقلت الصفات الجسدية من الأب للابن عن طريق الحيوانات المنوية، وكما تنتقل هذه الصفات العقلية والخلقية!
هل في الخصيتين مصانع عالمية تديرها عصابة من العباقرة تصنع ذلك؟ لا شيء هنالك. إن هذه الغدد تأخذ مادتها من الدم، والدم يجيء من الغذاء، والغذاء يجيء من الطين!
والمشرف أولا وأخرا على هذه الأطوار هو الله {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ}.
والمدهش أن الإنسان يتخلق من حيوان منوي واحد فقط، والبقية الأخرى من المائتي مليون تذهب إلى دورات المياه! كأن الله يقول للإنسان المتكبر إن إيجادك، وإيجاد مليارات مثلك لا يكلف شيئا.
قلت لامرئ أحمق يزعم أنه يشتغل بالفلسفة: من صنع الحيوان المنوي الذي اخترقها واستقر فيها؟ إن كلا من أبويك لا يدري شيئا، وتجيء أنت تصنع الإلحاد! {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ}.
الدليل الثالث: إن الأرض التي تحيا فوقها حافلة بالروائع، فأنت واجد بها جنات معروشات وغير معروشات وحقولا وغابات وأنواعا من الثمار لا حصر لها بين حبوب وفواكه وموالح وزيوت وأنسجه وألوانا من الأزهار المختلفة الريح والصبغة.. إلخ.
من منشئ ذلك كله؟ إن الفلاح يشق الأرض ويلقى البذر ولا يدري شيئا بعد. إنه يشهد ما تصنع القدرة العليا، ويستقبل هدايا الله وهو مستسلم! أما يدفع شيء من هذا إلى معرفة المنشئ المبدع؟ أما يبعث ذلك إلى إدراك قصة الحياة والموت؟!
في سورة الواقعة إشارات إلى ما في الزرع والحصاد من دلائل على البعث الأخير، {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}، إن إحياء الموات قصة تتكرر في أرجاء الدنيا. {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا}.
وإخراج البشر من الأجداث لا يزيد عن إخراج النبات من ظلمات التراب حاملا صنوف المعادن والمواد المذهلة، {وَاللَّـهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا}، وفي سور أخرى بيان أكثر: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}. إن التوبة هنا يقظة عقل: كان غافيا فصحا، وكان ذاهلا فانتبه.
نعم الخروج للقاء الله، ومواجهة الحساب مثل هذه الزروع التي خرجت من التربة العفنة السبخة تحمل السكر والدهن والنشا وتتورع عليها ألوان الطيف.. ثم يدعو إلى إنكار البعث وفي كل حين بعث..
وقد يتصور الفلاح أن له عملا فيما يتم، فبين الله أنه لو أراد دمر ما أنشأ وأسلمه إلى أسراب الجراد، {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}.
إن بعث الأجساد كاستنبات الأرض، عمل تبرز فيه قدرة بديع السماوات والأرض، ويجب أن يكون مثار إيمان بالبعث والجزاء.
لنتدبر قصة الجزاء الأخروي والزعم بأنه روحاني!
من المعلوم أن الإنسان جسم وروح، فهل صحيح أن التسامي المنشود للإنسان لا يتم إلا بتدمير الجسد، وتجاهل مطالبه؟ إنني لم أر في الكتاب والسنة أي إشارة إلى تعذيب الجسد وإشقائه!
نعم هناك صيام مشروع، وتعرض للعطش والجوع!! وهناك صلاة قد يطول فيها السجود والقيام، وقد تتورم فيها الأقدام! وربما اكتسب الإنسان رزقه من حرفة ينصب فيها ويتصبب عرقه! وربما انتهت حياته بالقتل في سبيل الله فتزهق روحه، ويراق دمه، ويتحقق فيه قول ابن الرومي:
فحب جسما على الأرض إذ هوى ** وحب بها روحا إلى الله تعرج!
لكن ذلك كله فحوى الامتحان الإلهي للإنسان روحا وجسدا، وحظ الروح من هذا الامتحان قسيم لحظ البدن، بل دور البدن هنا الوسيط، فهو ينقل ما يصيبه إلى الوعي ومع الوعي يكون التحمل واتجاه الإرادة إلى مرضاة الله.
ولو وقف الألم مكانه بالبنج مثلا ولم يشعر المرء بشيء حتى الموت، ما كان له من فضل!
إن الإنسان جنس يتميز بخصائصه، وقد خلقه الله بيديه، ولم يخلقه في أحسن تقويم ليجيء رجل أو امرأة فيقول: إن الجسم حقير وينبغي أن يهان ويعذب!
وعندما خلق الله آدم قال له: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}. فأين تعذيب الجسد في هذه الإباحة؟!
وخلق الله الرسل، وجعلهم صفوة خلقه، وقال لهم: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}. فأين آثار الحرمان في هذا التكليف؟
ويسر الله الأرزاق الطيبة للمؤمنين به، ولم يطلب إلا الشكر على ما أنعم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّـهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. فهل في هذا حرب على الجسد وتخطيط لإهانته؟
وبيَّن – جلَّ شأنه – أن أبناء آدم بعد رحلتهم الطويلة في أرجاء الدنيا وتوارثهم عمرانها حينا بعد حين سوف يعودون إلى الله كرة أخرى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}. فهل تتحقق هذه العودة بقيام الناس صورا لا أرواح فيها أو بقيامهم أرواحا لا أجساد لها؟
هذا تصور أخرق.
الناس هم الناس، وسوف يحيون بجوارحهم ومشاعرهم التي باشروا بها المعاصي أو الطاعات! وعندما يحاول الذين مردوا على الجدل والمكابرة أن ينكروا ما فعلوا، نطقت أركانهم بتكذيبهم {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّـهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
إن الإنسان الذي أحس المعاناة والتضحية في دنياه يكافأ بنعيم مقيم في الآخرة. وروى ابن كثير عن الطبراني أن النساء المؤمنات أفضل في الجنان من الحور العين! قالت أم سلمة: فبم ذاك؟ قال بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله!!
ثم جاء في هذا الحديث أن النساء المؤمنات يقلن: “نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن الناعمات فلا نيأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، طوبى لمن كنا له وكان لنا..“.
إن الذين جاهدوا في الدنيا هم المستريحون في الأخرى. والقول بأن الأجسام تفنى فلا تعود، وأن الآخرة مسرح الأرواح وحدها، وأن ثوابها وعقابها معنوي يشبه تأنيب الضمير أو راحة الضمير، قول باطل لا أساس له.
ويبدو أنه انتقل إلى النصرانية من بعض الديانات الأرضية المخرفة. وكم سطت الوثنيات على الأديان فقوضت أركانها ومحت معالمها!
والغريب أن الذين يحملون فلسفة الرهبانية وقهر الأبدان هم عنصر الهزيمة والاستسلام في الحضارة المعاصرة، وهي حضارة أسفت على نفسها في إرواء الغرائز ويسرت للرعاع من فنون الملذات ما لم تشهده مقاصير الملوك الأقدمين، وهكذا تقود الأخطاء إلى الخطيئات!!
وفي دنيانا ننظر إلى جائزة (نوبل) مثلا التي يصبو إليها العلماء الراسخون! إن في منحها تقديرا أدبيا تهش له النفس! لكن التقدير الأدبي وحده لا يطعم من جوع ولا يؤمن من خوف، ومن هنا كانت الجائزة المرصدة ثمينة وسخية.
ونمضي في شرح قصة الجزاء الهادي لنقول: إن مطالب الجسد محدودة وإجابتها قليلة الكلفة عندما تختفي رذائل الترف والسرف! فهل هي فوق الجزاء المعنوي؟ نقول: لا، وتفاوت المواهب والهمم والجهود يلقى أجزية شتى بعضها أعلى من بعض!
قد يكون لك خادم مخلص تعطيه طبق الطعام فينظر إليه قبل أن ينظر إليك! وهو يشكرك بقوة لكن عينيه لا تعدوان الطبق وما فيه كما وكيفا.. وهناك آخر يعرفك ويقدرك ويعرف الناس بك وبقدرك. فإذا قدمت إليه الطبق كانت نظرته إليك أسبق وأعمق، وعندما يتناول الطبق منك يتمنى لو منحته كتابا من تأليفك يزيده بك علما ولك تقديرا! هل يستويان؟
إن من أهل الإيمان من تشغله أمجاد الألوهية، فهو معها في فرح دائم! أو حضور غالب، وهو في سرائه وضرائه ناظر إلى ربه، وحسب.
لكن اللذة والألم قوانين نفسية لا ينفك عنها بشر، وعندما يعبر أهل الإيمان عن أحوالهم، فلن يخترقوا أبدا آداب الشرع ويعتدوا حدود الله.
إذا قال الله: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}. فلا يجوز لأحد أن يقول: ما الجنة وما نعيمها؟ إننا نريد وجه الله! هذا كلام سقيم!
هل يريد أن يرى وجه الله وهو في ظل شجرة الزقوم؟ إن كان لها ظل!! إن الله يتجلى برضوانه على عباده المؤمنين وهم يرفلون في حلل الجنة ويمشون في ظلها الدائم.
وفيما ذكرنا شرح لقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّـهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. إن الرضوان الإلهي أعلى من كل نعيم وأقر للعين من كل لذة، ولكننا نرفض سوء الأدب مع عبارات الشارع الحكيم.
وعلماؤنا مجمعون على أن ثواب الآخرة وعقابها ماديان وروحيان، وهناك حشود من الآيات والأحاديث تؤكد ذلك.
قد يخطئ بعض الرجال الطيبين فينظر إلى نفسه وأحواله ثم يصدر حكما عاما غامضا في شئون الناس. وذاك لا ينبغي!
نحن نعلم أن عيسى ويحيى لم يتزوجا، لكن كلا الرسولين لم يشن حربا على الزواج، ولم يسن مسالك الرهبانية المستوحشة، لأنهما لم يبعثا لدمار الحياة! وعدم زواجهما هو لظروف تخصهما وحدهما..
وقد عاش ابن تيمية عزبا، وكذلك عاش جمال الدين الأفغاني، ولم يؤثر على أحدهما أنه دعا إلى عزوبة!
هناك نباتيون يكتفون في غذائهم بما يخرج من الأرض. أعرف منهم العلامة محمد فريد وجدي، لتكن هذه طبيعته! فليس أكل اللحم فريضة دينية.. بيد أننا نعترض على هذه الطبيعة إذا حاول صاحبها جعلها دينا. وقد ارتكب أبو العلاء المعرى هذه السخافة عندما قال:
غدوت مريض الدين والعقل فالقني ** لتعرف أنباء الأمور الصحائح!
ومضى في قصيدته يحرم لحوم الأنعام والطير، بل لقد حرم عسل النحل، فما جمعته كي يكون لغيرها!! الخ.
ومن هذا القبيل ما يجرى على ألسنة بعض الأدباء اليوم من أن الجنة ليست “سوق خضار”! يرمى بذلك إلى إنكار الجزاء المادي وتهوين شأنه!!
وقد تأثر به ناس في تاريخنا القريب والبعيد، وعدوه تساميا، وهو جهل كبير! إن أنس بن النضر كان يرى ربه، ويرى جزاءه الموعود، عندما استنكر موقف المنهزمين في أحد، وأقبل وحده يقاتل المشركين، ويتحمل بجلد عض السيوف في جلده، وهو يصيح: إني أشم ريح الجنة من وراء أحد!
هل هذا المؤمن العظيم رجل واهم؟ وهو الذى قال فيه رب العالمين: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ..}،.
وجعفر الطيار، الذي احتضن علم الإسلام بيديه، فما سقط إلا بعد أن انقطعت ذراعاه، فسارع بطل آخر لحمل العلم الغالي.
لقد كان يتشوف إلى الشهادة وهو يقول: “يا حبذا الجنة أو اقترابها طيبة وباردا شرابها!”. فهل تطلع الرجل المعني إلى الراحة في ظلال الجنة وهم، أو ضعف فكر؟ كما يزعم أصحاب الخلل في فطرتهم ونظرتهم!!
إن أنصاف المتعلمين والمتدينين الذين يتكلمون في الإسلام وهم بمعزل عن كتاب الله وسنة رسوله، خير لهم أن يصمتوا وأن يستحوا!
وقد قرأت لبعض القساوسة المبشرين بالنصرانية تهكما بالجنة الذهبية وجهنم النارية! وتنديدا بالأجزية المادية التي شرحها الإسلام! إن هؤلاء الناس متأثرون بأفكار أرضية وفلسفات مقطوعة الصلة بالوحى. ولننظر: ماذا أسدوا للإنسانية من خير بهذا الكلام؟
هل ارتقوا بالحضارة المعاصرة وخففوا من كثافتها؟ هل حولوا العوام والخواص إلى روحانيين يكبتون الشهوات ويحلقون في السموات؟ إنهم أخطئوا في علاج النفس البشرية، ولم يعرفوا المفتاح الذي يدور في أقفالها فتنفتح! إن مقادير ضخمة من الترهات، تسكن في عقول القوم وأفئدتهم، صرفت أولى الألباب عن الدخول في الدين، واحترام مواريثه.
إن الإنسان الذي هو مادة وروح لا يصلح إلا بتعاليم تعترف بمادته وروحه معا. وهذه التعاليم حمل رايتها الأنبياء كلهم ومن بينهم موسى الذي قال معتذرا عن قومه: {أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}. وقبله إبراهيم الذي دعا ربه قائلا: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}.
ينقسم أهل النعيم في هذه السورة قسمين: الأول: السابقون بالخيرات. والثاني: الفائزون بقدر راجح من الحسنات! أما من بقي فهم أصحاب الشمال! وأخطأ بعض المفسرين فحسب أن هذه الأصناف الثلاثة هي المذكورة في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّـهِ}.
إن سورة الواقعة تحدثت عن الناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، أما الآية الموهمة، فهي تتحدث عن المسلمين خاصة! وصدر الآية يدل على ذلك: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ}. ووصفت سورة الواقعة أهل السبق بأنهم {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}.
ويرى البعض أن الثلة من الأولين تعنى أصحاب الأنبياء الذين سبقوا محمدا برسالاتهم وأن القلة من الآخرين تعنى المسلمين! ويظنون أن هذا طبيعي لكثرة من سبق من أنبياء وأمم!
والذي نراه أن الوصف هنا لأمة محمد وحدها، وأن الثلة من الأولين هم سلفنا الصالح، الذين نشروا الدين في أرجاء الأرض بعلمهم وعملهم! وأن القلة من الآخرين، هم الغرباء بتقواهم، وسط قوى مناوئة، وخصومات مؤذية..
أما الرسل السابقون، فقد كانت رسالاتهم مؤقتة ومحدودة، تمت في أعصار قليلة ومدن معدودة..
ونحن نحترم أصحاب موسى المؤمنين بتوراته، وأصحاب عيسى المؤمنين بإنجيله، وأين هم من قرون طوال؟! اختفوا واختفت هداياتهم، وحل مكانهم من لا صلة له بالسماء.
ونلحظ أن أوْلى أوصاف السابقين، أو أوْلى الميزات التي يربحونها هي القرب من الله سبحانه، أو هو الرضوان الأكبر، ولذلك قيل: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}. فلنتأمل في حال أولئك الذين سكنوا في بلاد الأفراح.
إن الإيمان بالغيب الذي عرفوه في الدنيا أضحى إيمان شهود! وعظمة الله التي صدقوا بها نظريا في الأيام الخالية رأوها معاينة في هذه الأيام! ومن ثم فهم يلهجون بالثناء على الله وشكره وتحميده وتمجيده! وهذا الذكر الموصول! يتم دون معاناة أو كلل أو ملل، بل ينبعث عنهم كما ينبعث الزفير والشهيق من صدورنا في هذه الحياة.!
وفي الآية: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّـهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
إنهم يشركون الملائكة في استدامة التسبيح دون أي شعور بكلفة، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}.
وإذا كان في القوم من قام بالقرآن في الدنيا وعاش له يحميه ويتلوه ويبلغه، فإنه يقال له ما جاء في الحديث الشريف: “يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا”. نعم لقد أضحي مع السفرة الكرام البررة، بهذه المهارة وتلك الإمامة.
إن أهل الجنة يحلو في مذاقهم ترديد الباقيات الصالحات فهم يهتفون بها عن حب ورغبة، ولعلها وسمت بالبقاء والصلاح لأنها تعلو على الفناء، وكيف تفنى هذه الشعارات: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؟
كانت في الدنيا قواعد لسلوك المؤمن، ثم أضحت في الآخرة شارة أهل النعيم.
ماذا فعل غيرهم؟ استرخى فحُجب.
وقد قيل: الأحجار في طريق الكسالى عوائق وفي طريق الناشطين سلالم، الأولون ينكصون، والآخرون يصعدون! ومن ثم قيل في وصف الجزاء المعد للمقربين: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
والكريم إذا وفد عليه ضيوف أكرم نزلهم، وأجزل عطاءهم، فأين كان أهل الجنة ينزلون بعد عودتهم إلى الله؟ إن أقل ما يقدم لهم هو أعلى وأغلى ما كان ملوك الأرض يتمتعون به!
ونحن نعلم أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ونعلم أن الأسماء التي تطلق على ما في الجنة هي عناوين تقريبية، وأن ذكرها ضرب من التشويق للعاملين في الدنيا، والأمر فوق ما نتصور!
المهم أن أهل الجنتين – مع ما يتقلبون فيه من نعماء – ليسوا أهل بطالة وخمول، إنهم يلهمون الذكر والشكر. ولا ريب أنهم سعداء بتكريم الله لهم، ولكنهم أسعد بما أتيح لهم من تحية الله ليلا ونهار، ومناجاته سرا وجهرا.
ونشرح بعض الكلمات التي لا نألفها، والتي وردت في وصف الجنان:
فالسرر الموضونة هي المضفورة من المعادن النفيسة. {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ}، أي لهم مجالس مؤنسة يواجه بعضهم بعضا فيها. {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}، تخدمهم فتية يبقون ما حيوا في سن الشباب! ومع كثرة الشراب في الجنة من لبن وعسل وماء وخمر فإن الخمر المعنية خمرة أباحها الله لا تصيب بالصداع ولا الدوار، {لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ}. والنزف هو الهذيان واختلاط العقل وهو أمر معروف بين السكارى.
من العلامات البارزة للجنة الحور العين. والحور العين هن بنات آدم بعد صوغهن في قوالب أخرى تجعل العجائز شواب والدميمة وسيمة! أو هن خلق آخر يبدعه الله في صور فتيات ساحرات العيون يستمتع بهن أهل الجنة. والظاهر أن الحور العين من الصنفين معا، وأن تغييرات
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة