الفن الدمشقي بمكناس.. حرفة أصيلة تواجه الإكراهات والاحتكار
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: هشام حلال

في قلب المدينة الإسماعيلية، حيث تتعانق الذاكرة التاريخية مع مهارات الصانع التقليدي، ما يزال الفن الدمشقي المكناسي يحتفظ بمكانته كواحد من أكثر الفنون الحرفية تميزاً وفرادة. إنه فن لا يقوم على الآلة بقدر ما يقوم على الصبر والدقة والخبرة المتوارثة، حيث تتحول قطعة الحديد إلى تحفة فنية من خلال ترصيعها بخيوط الفضة، وفق تقنيات دقيقة تحتاج إلى يد خبيرة ووقت طويل.
وتشير معطيات غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس-مكناس إلى أن الحديد المرصع بالفضة، المعروف بـ”الفن الدمشقي”، ارتبط بمدينة مكناس التي كانت عاصمة عسكرية في عهد السلطان مولاي إسماعيل، وأن هذا الفن انتشر عبر الجالية اليهودية. كما تذكر الغرفة أن تسمية الفن مرتبطة بمدينة دمشق، وأن الحرفة وصلت إلى مكناس عبر الأندلس مع الجالية اليهودية، قبل أن يطورها الصناع المكناسيون ويمنحوها خصوصيتها المغربية.
من دمشق إلى مكناس.. رحلة حرفة صنعت ذاكرة مدينة
لا يمكن الحديث عن الفن الدمشقي بمكناس دون استحضار الرواية التاريخية التي تربط انتقال هذه التقنية من المشرق إلى المغرب باليهود الذين حملوا معهم خبرات وتقنيات في مجال الزخرفة المعدنية، قبل أن تستقر الحرفة في مكناس وتنتقل تدريجياً إلى الصناع المغاربة.
وتؤكد مصادر متخصصة في التراث اليهودي المغربي أن تقنية الدمشقية كانت معروفة لدى الصناع اليهود، وأن روايات مهنية متوارثة تربط وصول بعض تقنيات الزخرفة إلى مكناس بصناع يهود قدموا من دمشق، قبل أن يتولى الصناع المكناسيون تطويرها وتوسيع استعمالاتها.
وبمرور الزمن، لم يعد الفن الدمشقي مقتصراً على الأسلحة ولوازم الفروسية، بل أصبح الصانع المكناسي يبدع في المزهريات والصحون والفوانيس والمجسمات والتحف المختلفة، مستلهماً زخارف مغربية وأندلسية وكوفية، وهو ما منح هذا الفن شخصية محلية مميزة.
حرفة نادرة.. ولكنها مهددة بالانقراض
المفارقة المؤلمة أن فناً بهذه القيمة التاريخية والجمالية أصبح اليوم يواجه خطر التراجع والانقراض.
فالحرفة تحتاج إلى سنوات طويلة من التعلم والممارسة، بينما أصبح عدد الصناع المهرة محدوداً، وأصبح نقل أسرار المهنة إلى الأجيال الجديدة تحدياً حقيقياً. وقد سبق أن نبهت تقارير صحفية إلى أن هذه الحرفة كانت مهددة بالأفول بسبب قلة الصناع، وصعوبة المهنة، وارتفاع تكلفة المواد الأولية، وضعف الإقبال عليها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع عدد الورشات، وإنما في احتمال انقطاع السلسلة المهنية: معلم يموت دون أن يترك تلميذاً مؤهلاً، وتقنية تختفي، ونقوش وأساليب عمل لا تجد من يحملها إلى المستقبل.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا سيبقى من الفن الدمشقي المكناسي إذا لم يعد هناك صانع قادر على تعليم صانع آخر؟
حين يصبح الصانع الحلقة الأضعف
من بين الإكراهات التي تستحق النقاش أيضاً العلاقة غير المتوازنة بين بعض الصناع وبعض الوسطاء وأصحاب البزارات.
فالصانع يقضي أياماً وربما أسابيع في إنجاز قطعة واحدة، مستعملاً خبرته وأدواته التقليدية ومواد أولية مكلفة، لكنه قد يجد نفسه مضطراً إلى بيع منتوجه بثمن لا يعكس قيمة العمل المبذول فيه.
وفي المقابل، قد تعاد هذه القطع إلى واجهات بعض المحلات السياحية بأسعار مرتفعة، وهو ما يثير لدى الصناع شعوراً بأن القيمة المضافة الأكبر لا تعود إلى صاحب الحرفة الذي أبدع القطعة، بل إلى الحلقة التجارية التي تتولى تسويقها.
ولا يعني ذلك تعميم الاتهام على جميع أصحاب البزارات، فهناك تجار يساهمون فعلاً في تسويق الصناعة التقليدية والتعريف بها، لكن المطلوب هو تنظيم العلاقة بين الصانع والمسوق على أساس الإنصاف والشفافية، حتى لا يتحول الصانع إلى الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة.
إن حماية الصناعة التقليدية لا تعني محاربة التجارة، بل تعني ضمان أن يستفيد الصانع والتاجر والسائح والمدينة في إطار اقتصادي عادل ومستدام.
خيط النقرة.. مادة صغيرة تهدد حرفة كبيرة
ومن بين المشاكل التقنية التي تواجه الصناع اليوم مسألة توفير خيط النقرة/الخيط الفضي المستخدم في تزيين القطع الدمشقية.
وقد سبق أن أشارت تقارير حول الحرفة إلى أن خيوط الفضة كانت تستورد من الخارج، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج ويؤثر على قدرة الصانع على المنافسة. كما أن طبيعة هذه الحرفة اليدوية تجعل الإنتاج بطيئاً مقارنة بالمنتجات المصنعة آلياً.
لذلك، فإن إيجاد حل مستدام لتوفير المادة الأولية بجودة مناسبة وثمن معقول يجب أن يكون جزءاً من أي سياسة لإنقاذ الفن الدمشقي.
ومن الحلول الممكنة دراسة إمكانية تسهيل الاستيراد الجماعي للمواد الأولية لفائدة الصناع والتعاونيات المهنية، أو تشجيع الاستثمار في إنتاج خيط النقرة محلياً، مع مراقبة الجودة والأسعار، حتى لا يبقى مستقبل حرفة تاريخية رهيناً بتقلبات السوق الخارجية.
أين هي الجهة الوصية؟
إنقاذ الفن الدمشقي لا يمكن أن يبقى مجرد أمنية لدى المعلمين والحرفيين.
المطلوب تدخل فعلي من الجهات الوصية على قطاع الصناعة التقليدية، بتنسيق مع غرفة الصناعة التقليدية والمهنيين والسلطات المحلية والفاعلين السياحيين، لوضع برنامج واضح لإنقاذ هذه الحرفة.
ومن بين الحلول التي يمكن التفكير فيها:
أولاً: إحداث برنامج خاص لتكوين الشباب في الفن الدمشقي، بشراكة مباشرة مع المعلمين الذين ما زالوا يتوفرون على أسرار وتقنيات الحرفة.
ثانياً: منح تحفيزات للصناع الذين يستقبلون متدربين ويكوّنونهم، لأن المعلم الذي يعلّم شاباً اليوم يساهم في حماية تراث المدينة غداً.
ثالثاً: تنظيم سلسلة القيمة بين الصانع والبازار والزبون، بما يضمن للصانع سعراً عادلاً يعكس قيمة عمله.
رابعاً: وضع آلية شفافة للتعريف بأسعار القطع وقيمتها الفنية، وربط المنتوج بهوية صانعه وورشته، بما يمنح الحرفي اعترافاً أكبر.
خامساً: تسهيل استيراد خيط النقرة والمواد الأولية الضرورية، أو تشجيع إنتاجها محلياً، مع توفيرها بأسعار مناسبة للصناع.
سادساً: إحداث فضاء دائم للفن الدمشقي المكناسي، يكون ورشة للتكوين ومكاناً للعرض والتسويق وفضاءً لاستقبال السياح والباحثين.
سابعاً: إدماج الفن الدمشقي في المسارات السياحية والثقافية لمكناس، حتى لا يكون مجرد قطعة تباع في متجر، بل تجربة ثقافية يتعرف من خلالها الزائر على تاريخ المدينة وصانعها.
ثامناً: إنشاء علامة ترابية أو مهنية موثوقة تحمل اسم “الدمشقي المكناسي”، تضمن أصالة المنتوج وتحميه من التقليد، وتساعد على رفع قيمته في الأسواق الوطنية والدولية.
لا نريد أن يصبح الفن الدمشقي مجرد ذكرى
الفن الدمشقي ليس مجرد معدن أسود تتخلله خيوط فضية؛ إنه ذاكرة مكناسية متحركة، تختزن تاريخاً من التعايش والتبادل الثقافي وتلاقح الخبرات بين المشرق والأندلس والمغرب.
وإذا كانت مدينة مكناس قد نجحت عبر أجيال في تحويل تقنية وافدة إلى فن مغربي ذي شخصية خاصة، فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع للحفاظ عليه.
فالمطلوب ليس فقط إنقاذ قطعة فنية، وإنما إنقاذ مهنة ومهارة وهوية اقتصادية وثقافية.
إن المعلم المكناسي الذي يجلس ساعات طويلة أمام قطعة من الحديد، يطرقها ويزخرفها بخيط النقرة، لا يصنع تحفة للسائح فحسب، بل يصنع جزءاً من تاريخ المدينة.
ولهذا، فإن تركه يواجه غلاء المواد الأولية، وضعف التسويق، والمنافسة، واختلال العلاقة مع بعض الوسطاء، وغياب الخلف المهني، يعني عملياً ترك الحرفة تسير نحو نهايتها.
الفن الدمشقي بمكناس يستحق أن يعيش، والصانع الذي يحمله يستحق أن يعيش بكرامة.
والحل يبدأ من الاعتراف بأن حماية التراث لا تكون بالكلام وحده، وإنما بتكوين جيل جديد، وضمان المواد الأولية، وإنصاف الصانع، وتنظيم التسويق، وفتح أسواق جديدة، وتحويل الحرفة من مهنة مهددة بالانقراض إلى قطاع ثقافي واقتصادي قادر على صناعة المستقبل.
فإذا كانت الأجيال السابقة قد حفظت لنا هذا الفن، فإن واجب جيلنا أن يسلمه إلى الأجيال القادمة أكثر قوة وانتشاراً، لا مجرد ذكرى من ذاكرة مكناس.
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة