الهوية المغربية: إمارة المؤمنين وثراء التعدد الحضاري
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: الدكتور عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج

ليس الاعتزاز بالوطن مجرد تعبير عن الانتماء إلى أرض أو استحضار لأمجاد الماضي، بل هو وعي بتاريخ أمة استطاعت أن تحافظ على استمراريتها، وأن تصون خصوصيتها، وأن تتفاعل مع محيطها دون أن تفقد مقومات هويتها. ومن هذا المنظور، تكتسب الهوية المغربية خصوصيتها من قدرتها على الجمع بين المرجعية الروحية والتعدد الحضاري، وبين استمرارية الدولة وتجدد المجتمع، في صيغة تاريخية تشكلت عبر قرون من التفاعل والتراكم.
وقد أعاد الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية يوم 9 أكتوبر 2026 التأكيد على هذا المعنى، حين ربط الاعتزاز بالمغرب بعراقة الأمة المغربية، وبالملكية التي تمتد جذورها في التاريخ، وبالهوية الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية الغنية بتعدد مكوناتها. ولم يأت هذا الربط باعتباره استحضاراً لرموز الماضي فحسب، بل بوصفه تأكيداً على أن الهوية الوطنية مصدر للثقة في الحاضر، ورافعة لمواصلة بناء المستقبل.
تحتل إمارة المؤمنين موقعاً مركزياً في فهم هذه الخصوصية. فهي ليست مجرد عنصر في الذاكرة السياسية للمملكة، ولا مؤسسة دينية منفصلة عن تاريخ الدولة، وإنما مرجعية دينية ومؤسساتية ارتبطت باستمرارية الدولة المغربية ووحدتها. وقد أسهمت هذه المؤسسة، عبر مراحل تاريخية مختلفة، في الحفاظ على الصلة بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية، وفي تأطير العلاقة بين السلطة والمجتمع ضمن سياق مغربي تشكلت معالمه الخاصة عبر البيعة والتقاليد السياسية والمؤسساتية المتوارثة.
وتكمن أهمية إمارة المؤمنين في كونها تمنح المرجعية الدينية إطاراً وطنياً جامعاً، يحفظ للمجتمع مرجعيته الروحية، ويتيح تدبير الشأن الديني في نطاق مؤسسات الدولة. وهي بذلك لا تختزل الدين في المجال السياسي، ولا تجعل الهوية الدينية منفصلة عن تاريخ المجتمع، بل تجسد إحدى الصيغ التي تطورت من خلالها العلاقة بين الدين والدولة في التجربة المغربية. ومن هنا، فإن فهم هذه المؤسسة يقتضي النظر إليها في سياقها التاريخي والحضاري، بعيداً عن إسقاط نماذج نشأت في تجارب أخرى، أو اختزالها في مفاهيم لا تستوعب خصوصية تشكلها ووظائفها.
غير أن الهوية المغربية لا تستمد غناها من مرجعيتها الروحية وحدها، بل من قدرتها على استيعاب تعدد ثقافي وحضاري ليس أمراً طارئاً على الشخصية المغربية، وإنما أحد مكوناتها التاريخية الأصيلة. فقد تشكل المغرب عبر تفاعل روافد أمازيغية وعربية وإسلامية وأندلسية وإفريقية ويهودية ومتوسطية، وأسهمت هذه الروافد، بدرجات وصيغ مختلفة، في بناء شخصية وطنية لا يمكن اختزالها في أصل واحد أو مكون منفرد. ولم يكن هذا التعدد مجرد تعايش بين جماعات مختلفة، بل كان أيضاً تبادلاً في اللغة والعمران والموسيقى والعادات واللباس والمطبخ وأنماط التفكير والتعبير الفني.
لقد أسهم المكون الأمازيغي في ترسيخ العمق التاريخي للمجتمع المغربي، وجاء الإسلام ليمنح المجال الحضاري إطاراً روحياً وثقافياً جديداً، فيما عززت الروابط العربية والأندلسية والإفريقية والمتوسطية انفتاح المغرب على محيطه. كما شكل الحضور اليهودي جزءاً من تاريخ البلاد وذاكرتها الاجتماعية والثقافية. ولم تكن هذه العناصر جزرًا منفصلة، بل تفاعلت في فضاء تاريخي مشترك، أنتج أشكالاً من التعبير والعيش لا تنتمي حصرياً إلى مصدر واحد، بل تعكس قدرة المجتمع على التملك والإبداع وإعادة تركيب المؤثرات التي يستقبلها.
ومن الخطأ، لذلك، التعامل مع التعدد المغربي باعتباره تنازلاً عن الهوية أو علامة على ضعفها. فالتجربة التاريخية للمملكة تبين أن الحفاظ على الخصوصية لا يستلزم الانغلاق، وأن الانفتاح لا يعني الذوبان. لقد استطاع المغرب أن يتفاعل مع محيطه الإفريقي والأندلسي والمتوسطي، وأن يستوعب تأثيرات متعددة، مع المحافظة على استمرارية دولته ومؤسساته. ويظهر ذلك في التراث المعماري والفني، وفي تقاليد التدين، وفي أنماط العيش، كما يظهر في قدرة الثقافة المغربية على تحويل التأثيرات الوافدة إلى تعبيرات محلية تحمل بصمتها الخاصة.
وهنا تتجلى العلاقة بين إمارة المؤمنين والتعدد الحضاري: الأولى توفر مرجعية روحية ومؤسساتية جامعة، فيما يمنح التعدد الهوية الوطنية غناها الاجتماعي والثقافي. ولا يعني هذا أن المرجعية الدينية تلغي الاختلافات، أو أن التعدد يستغني عن الروابط الجامعة، بل إن خصوصية التجربة المغربية تكمن في إمكان اجتماع الانتماء المشترك مع تنوع التعبيرات الثقافية. فالهوية الوطنية ليست قالباً جامداً يفرض التشابه على الجميع، وإنما إطار تاريخي مشترك تتفاعل داخله روافد المجتمع وتشارك في تشكيل الذاكرة الجماعية.
وتزداد أهمية هذا التصور في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية، وتواجه المجتمعات تحديات تتصل بالهجرة والعولمة وتغير أنماط الانتماء، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة. فالمحافظة على الهوية لا تتحقق بتكرار شعاراتها، بل بجعلها معرفة حية بتاريخ البلاد، وبإدراج تعددها ضمن الوعي الوطني، وبنقل تراثها إلى الأجيال الجديدة باعتباره رصيداً للمستقبل، لا مجرد ذاكرة للماضي. كما أن المغاربة المقيمين بالخارج يجسدون، في تجاربهم اليومية، قدرة الهوية المغربية على الاستمرار في بيئات متعددة، وعلى بناء جسور التواصل دون التخلي عن جذورها.
إن الاعتزاز بالمغرب هو، في جوهره، اعتزاز بأمة عريقة استطاعت أن تحافظ على استمراريتها، وأن تصون خصوصيتها، وأن تتفاعل مع محيطها دون أن تفقد مقوماتها. وهو اعتزاز لا يقوم على المفاضلة بين مكونات الهوية، ولا على إقصاء روافدها، بل على إدراك أن قوة المغرب التاريخية نشأت من التفاعل بين مرجعيته الروحية وتعدده الحضاري، وبين وحدة الدولة وحيوية المجتمع. ومن ثم، فإن صيانة هذه الهوية مسؤولية تتجاوز استحضار الماضي إلى ترسيخ قيم المواطنة، وحماية التعدد، وتجديد أسباب الثقة في المستقبل. فالأمة التي تعرف جذورها، وتدرك غنى روافدها، وتثق في مؤسساتها، تكون أقدر على الانفتاح على العالم من موقع الواثق بهويته، لا الخائف عليها.
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة