أخبار عاجلة

جمالية الجمهور وجدلية التأثير والتأثر في فيلم “نايضة” لسعيد الناصري  

جمالية الجمهور وجدلية التأثير والتأثر في فيلم “نايضة” لسعيد الناصري  

الشاملة بريس بالمغرب وأوروبا- إعداد: زايد الرفاعي / باحث في الخطاب الإعلامي

 

[سيميائيا لا وجود لخطاب بريئ، والسينما خطاب، وعبر الفيلم والخطاب السينمائي لا شيء يمر صدفة، لذا يجب الانتباه إلى أدق التفاصيل. الموسيقى التصويرية، الكتب التي تمر في الفيلم، وسائل النقل، اللوحات الجدران المنحوتات أو التماثيل، وطبعا الأماكن والأزمنة واللباس وزاوية الكاميرا وأسماء الشخصيات (مثلا في فيلم نايضة، نجد: اسم البطل سعيد وصديقه يوسف وبنت الدرب أسماء واسم الوزير القصراوي.. وهي أسماء لها دلالاتها في الثقافة المغربية!!) أو أي رموز وإشارات ودلالات أقحمها المخرج في الفيلم لإيصال رسالة ما].

 

كل من شاهد وسيشاهد الفيلم السينمائي “نايضة كْبرها تصغار” لسعيد الناصري، سيناصر الفيلم موضوعا ورسالة رغم الافتقار الفني للعمل من حيث الأداء والتقنية، كَوْنَ الفيلم في مغزاه يحاكي الواقع المعيشي لشريحة كبيرة من المغاربة، وكون الفيلم يجسد الصراع القائم بين رجل السياسة الذي يخلف وعوده ويتنكَّر لمنتخبيه وبين المواطن الذي له مطالب يسعى إلى تحقيقها عبر دهليز الساسة والسياسة، وأن الفيلم يصور العديد من الظواهر الاجتماعية التي تعانيها الطبقة البسيطة منها: الفقر، البطالة، الانحراف، المرض، أزمة الثقة في السياسة وسوء تدبير بعض المرافق العمومية…

أما في سياق الجدل الذي خلقه الفيلم، والذي انحصر في جوانب فنية وتقنية وأخرى لها بالدعاية استدراج عاطفة الجمهور لتحقيق مآرب أخرى بعيدة عن رسالة ومضمون الفيلم.

 

هناك لغط شائع مفاده أن الفيلم الجيِّد هو الفيلم الذي يحمل قصة جيدة ومثيرة. ولعل هذا ما حدث مع الفيلم السينمائي المغربي نايضة كبرها تصغار لبطله ومخرجه سعيد الناصري، حيث يعامل كثيرون الفيلم بناء على قصته متناسين أن الفيلم هو توليفة مرئية وصناعة بصرية وليس مجرد سيناريو وفعل روائي. ويذهب البعض الذي يمتلك حسا فنيا وثقافة سينيمائيا إلى البحث عن ثلاثة عناصر رئيسية هي: القصة وأداء الممثلين والإخراج.

باعتبار هذه الثلاثية المرتكز لأي عمل سينمائي ناجح، لكنها في الواقع لا تكفي من أجل تحليل ومن ثم تقييم العمل السينمائي، لأن كل عنصر من هذه العناصر يتطلب معرفة خاصة. وتبعًا لذلك لا يعود في الإمكان إلقاء التحليلات والتقييمات جزافًا بحق الفيلم. ففي أي نقاش حول أي عمل سينمائي يجب لمن يطلق رأيًا ما أن يعلل هذا الرأي السلبي كان أم الإيجابي بحق الفيلم، وليس الاكتفاء فقط بإصدار الأحكام.

علينا الأخذ في الاعتبار اسم الفيلم أولا ثم الإجابة على الأسئلة التالية: لماذا تم اختيار هذا الاسم دون غيره؟ (نايضة كبرها تصغار عنوان بالعامية المغربية، بتحليل سيميائي بسيط نستخلص أنه يوحي إلى صراع قد يكون صراعا طبقيا اجتماعيا نفسيا، وإلى وجود مشكلة أو مشاكل ينبغي وضع حل لها حتى لا تتفاقم). وما هي أسماء المشاركين في الفيلم؟ (سنجد أسماء بارزة في السينما المغربية: سعيد الناصري، رفيق بوبكر… ومن هي الجهة الممولة للفيلم أو الشركة المنتجة؟ هذه المعطيات يمكن أن تبني لنا تصورا حول توجه صناع الفيلم، فيمكن الحديث هنا عن الأعمال السابقة لمخرج الفيلم ولأبطاله وهل تطرح قضايا سجالية بين السياسة والسلطة والمجتمع أم أنها أفلام تجارية لا تعدو كونها للترفيه والتنفيس والتسلية.

 

ينبغي أيضا الالمام والدراية بزمن أحداث الفيلم، وكذلك الأمكنة (مكان فيلم نايضة نجد أحداثه تبدأ وتدور في أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، حي الرحمانة). وكذا نوع الفيلم هل هو فيلم دراما، مغامرات، رومانسي، كوميدي؟ وأيضًا يمكن متابعة التقييم على المنصات السينمائية أو على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعكس إلى حد ما رأي الجمهور والنقاد للفيلم. ويجب معرفة هل الفيلم تكملة لجزء سابق؟ أو مقتبس عن رواية؟ أو نسخة جديدة من فيلم تم إنتاجه مسبقًا؟ كما هو شأن فيلم “نايضة” الذي ثم وصفه من طرف صحف وبعض الجمهور على أنه نسخة من الفيلم المصري الإرهاب والكباب لعادل إمام، وقد بدا الأمر بارزا، ليس فقط في تشابه الموضوع وإنما في تكرار كلمة إرهاب أكثر من عشر مرات خلال الفيلم.

 

فبالرغم من وجود اعتقاد شائع أنه لا يمكن لغير المتخصصين التعليق على الأفلام أو مناقشتها، إلا أن “روجر إيبرت” الناقد السينمائي الشهير يقول أن كل شخص يمكنه أن يقرأ الفيلم ويناقشه ويتبنى وجهة نظر خاصة حوله، فكل فرد سيجد أن لديه الكثير ليقوله إذا انتبه جيدا إلى الصورة التي تُعرض أمامه على الشاشة، لا يوجد مصادفات في تصوير الفيلم، يعمل كل مخرج بدقة بالغة لكي تعبِّر كل صورة وكل حركة وكل صوت عن شيء ما يود قوله، فالفيلم لا يصوِّر الواقع كما هو، ما يظهر أمامنا هو فقط ما تصوره الكاميرا، والتي تحرِّكها إرادة المخرج وصناع الفيلم.

يقول الناقد الأمريكي إيبرت “كنت دائما أرى أن الفيلم وسيط عاطفي وأن الأفلام لا تناسب التعبير الثقافي. إذا أردت التعبير عن موقف سياسي أو فلسفي فإن الوسيط المثالي موجود، ألا وهو الكلمة المطبوعة، فالفيلم ليس شكلا فنيا عقلانيا.

إننا عندما نشاهد فيلما فإن المخرج يقف وراء ظهورنا ويقول “انظروا هنا” و”انظروا هناك”، “اسمعوا هذا” و”اسمعوا ذاك” و”اشعروا بهذا” و”اشعروا بما أريدكم أن تشعروا به”. وبالتالي فإننا نتخلى عن التحكم الواعي في ذكائنا. إننا نصبح متلصصين. ونصبح أناسا تستغرقنا القصة تماما، إذا كانت قصة مثيرة تشدنا. وهذه تجربة عاطفية تتعلق بالعواطف والمشاعر”.

 

مشكلة النقد السينمائي المغربي وربما حتى العربي، حتى لدى من نطلق عليهم “أساتذة النقد”، إذا استثنينا النقاد المتمرسين كطارق الشناوي في مصر ومحمد اشويكة في المغرب، فإن معظمهم يعبر فقط عن انطباعاته الشخصية عما يشاهده من أفلام، ويميل هؤلاء عادة إلى المبالغة الشديدة في الحكم على الأفلام وعلى مخرجيها مع ميل واضح إلى استخدام عبارات إنشائية فخمة ولكن فارغة المعنى إذا ما وضعناها في ميزان النقد الحقيقي، والأمثلة كثيرة بعد صدور فيلم سعيد الناصري، حيث اعتلى منصات التواصل الاجتماعي جدل مثير بين مؤيدين للفيلم معتبرين إياه الناطق الفني الذي عبر عن واقعهم معاناتهم، وبين رافضين لم يعجبهم الفيلم واصفين إياه بالفقير فنيا والفاقد للتقنيات السينمائية، حيث وقع في مجموعة من التناقضات منها، مخالفة القانون لبطل الفيلم من خلال وسيلة نقل البضائع “الطريبورتور” التي كان يتجاوز فيها عدد الركاب معرضا إياهم للخطر، وجعل البطل يموت في نهاية الفيلم في مشهد ضعيف لم يضف للحبكة الدرامية شيئا، غير رغبة واضحة في استيلاب المزيد من تعاطف الجمهور مع بطل الفيلم والفيلم ورسالة الفيلم.

 

ختاما؛ سواء اتفقنا أو اختلفنا مع فيلم نايضة ومع تصور سعيد الناصري ونظرته للمجتمع والمواطن ومجريات الحياة والواقع وصراع الذات والآخر، فإن تحليلا بسيطا لبلاغة الجمهور، هذا الأخير الذي صار سعيدا بعمل الفنان سعيد فناصره رغم سلبيات الفيلم الفنية والتقنية، تجعلنا نفهم أن الساحة السينمائية المغربية تحتاج إلى إغنائها كما وكيفا بأعمال تحاكي معاناة وهموم المواطن موظفة الجرأة والجمالية في التشخيص والطرح، كما على الوزارة الوصية تشجيع مثل هاته الموضوعات والتصورات وغيرها خدمة للسينما المغربية من جهة، وجزرا للمسؤولين الذي يتماطلون في خدمة بلادهم وأبناء وطنهم من جهة ثانية، معطلين بذلك عجلة التنمية الثقافية لبلد يزخر بطاقات إبداعية قادرة على منافسة بلدان عالمية، فما حققه المغرب كرويا في مونديال قطر، قادر على تحقيقه بتظافر الجهود في ميادين شتى من بينها السينما.

شاهد أيضاً

قصيدة: أذكرني

قصيدة: أذكرني الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: سهيلة الريفي المطالسي   أعلم بأنك تحبني لكنني …

قصيدة: أحاسيس شاعرة

قصيدة: أحاسيس شاعرة الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: سهيلة الريفي المطالسي من أراد أن يتسلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *