الإصلاح التربوي بالمغرب.. ريع الخريطة المدرسية يعدم طموح “مدارس الريادة” و يغتال فلسفة الإصلاح بتيزنيت!
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: عمر ازكان – إطار تربوي

لقد سعت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة جاهدة لتجسيد الرؤية الملكية السامية لجعل المدرسة العمومية قاطرة للتنمية، وسابقت الزمن لإحداث تحول قطعي وسريع في الأداء التعليمي والتدبيري وضمان جودة التعليم للجميع، وذلك برصد موارد مالية ولوجستيكية غير مسبوقة، لترسيخ فلسفة إصلاحية رصينة قوامها الحكامة والنجاعة، من خلال تنزيل وإنجاح مشروع مدارس الريادة وغيره من المشاريع. غير أن هذه مساعي الوزارة لتجسيد الإرادة الملكية والوطنية الصادقة تصطدم في مديرية تيزنيت بممارسات تدبيرية تفرغ الإصلاح من محتواه وتحوله إلى هندسة للريع.
فبينما أصدرت الوزارة مذكرات حازمة (وآخرها المذكرة الوزارية عدد 0367-$-3) لفرض الاستغلال الأمثل للموارد، تصر المديرية الإقليمية بتيزنيت على تكريس مفارقات خطيرة؛ حيث تحول التخطيط التربوي وتدبير الموارد البشرية إلى “ماكينة” تمنح الامتياز لأطر ومؤسسات بعينها. فتحولت بعض المؤسسات إلى “منتجعات إدارية” كما هو الحال في مجموعة مدارس المتنبي التي يسهر فيها مدير على 15 تلميذاً، وهو إجراء لم يستثني مشروع الريادة كما هو حال مدارس مشروع الريادة، كما هو حال المدرسة الجماعاتية لالة أسماء، التي يدرس بها أستاذ بفرعية تيزي إسلان تلميذا وحيد، في مشهد يغتال روح الإصلاح بدم بارد.
فرعية “تيزي إيسلان”: رصاصة الرحمة على مفهوم “الجماعاتية” ومشروع الريادة.
تأتي حالة فرعية “تيزي إيسلان” التابعة للمدرسة الجماعاتية لالة أسماء لتكشف عمق الاستهتار بالإرادة الملكية السامية، والتلاعب بفلسفة الوزارة؛ فكيف يُعقل لمؤسسة تُصنف ضمن مدارس الريادة وتعتمد النظام الجماعاتي أن تُبقي على نزيف الموارد في فرعية لا تضم سوى أربعة تلاميذ؟ حيث يدرس أستاذ تلميذ واحد بالمستوى الثالث، بينما تدرس زميلته ثلاثة تلاميذ آخرين بالمستووين الخامس والسادس، على بُعد كيلومترين فقط من المدرسة المركزية لالة أسماء، وهو ما يجسد إعدام ميداني لمبدأ ترشيد البنيات الذي شددت عليه المذكرة الوزارية عدد 0367-$-3 بتاريخ 17 يوليوز 2025.
هندسة المحسوبية: حينما تُغتال المذكرة الوزارية في المهد
لقد دعت المذكرة المذكرة الوزارية عدد 0367-$-3 بوضوح إلى “الاستغلال الأمثل للموارد والتوزيع المتكافئ للأطر”، لكن ما يحدث في مؤسسات إقليم تيزنيت هو “هندسة عكسية” تماماً. فلا يجسد الإبقاء على بنى مدرسية مفرغة وتفعيل تكليفات (العشرات سنويا) مشبوهة تفتقر للشفافية فقط محاولة للالتفاف على التوجيهات المركزية، بل يتعداه إلى تجميل لواقع الريع بصبغة قانونية واهية، تجعل من الاستثناء قاعدة ذهبية لخدمة الولاءات بتيزنيت.
عزلة “تلميذة م.م المتنبي” و”تلميذ م.ج لالة أسماء”: ثمن العبث الإداري وحسابات “الصناديق”
لا يتوقف الخطأ الجسيم في هذه الهندسة عند هدر المال العام، بل يتعداه إلى اغتيال الحقوق التربوية للمتعلمين؛ فبقاء تلميذة وحيدة بالمستوى الأول في فرعية “أكني نتيزكت” (م.م المتنبي) وتلميذ وحيد بالمستوى الثالث في فرعية “تيزي إيسلان” (م.ج لالة أسماء)، هو حرمان ممنهج من بيئة تعليمية سليمة. لكن الصدمة الحقيقية تنجلي حين نعلم أن المتصرف التربوي الذي يدبر المدرسة الجماعاتية لالة سلمى يرتدي قبعة سياسية بصفته “مواليا لرئيس جماعة تيغمي”.
وهو ما يطرح علامة استفهام ضخمة: هل تحولت فرعية “تيزي إيسلان” إلى ورقة في “بازار” الاستقطاب السياسي ومحاولة إرضاء المحيط الانتخابي لهذا المتصرف في عز “التسخينات” التي تسبق الاستحقاقات المقبلة؟ وهل فطن السيد عبد الرحمان الجوهري عامل إقليم تيزنيت، المشهود له بالكفاءة العالية، والنزاهة، والسهر على المصلحة العامة، باعتباره خبيرا في الإدارة إلى خطورة تسخير هندسة الخريطة المدرسية لخدمة أجندات المنتخبين، وتحويل الأطر التربوية ومستقبل التلاميذ إلى وقود لحملات انتخابية سابقة لأوانها؟ إن بقاء هؤلاء التلاميذ في عزلة تعليمية لخدمة طموحات سياسية لمسير إداري هو انحدار قيمي وتدبيري لم تشهده المنظومة بالإقليم من قبل.
بين المسؤولية والمحاسبة: أسئلة حارقة فوق طاولة المسؤولين
إن تكريس هذه النماذج المشوهة (م.م المتنبي، م.ج لالة سلمى) يقطع الشك باليقين بأننا لسنا أمام فلتات إدارية عفوية، بل أمام “منهجية تدبيرية” مرسومة بعناية، مما يضع مصلحة التخطيط والخريطة المدرسية ومصلحة تدبير الموارد البشرية بمديرية الوزير محمد سعد برادة بتيزنيت في قلب العاصفة. وتزداد حدة المساءلة حين نستحضر المسار المهني للسيد المدير الإقليمي بتيزنيت، الذي يُفترض فيه أن يكون حامي حمى النجاعة، بصفته “خبيرا في التخطيط”، تدرج في مفاصل هذا التخصص الدقيق، من مستشار للتخطيط، إلى مفتش في التخطيط بالأقدمية، ثم رئيس لمصلحة التخطيط بتارودانت، وصولاً إلى رئاسة قسم التخطيط بأكاديمية سوس-ماسة.
هذا المسار جعل آلاف المتتبعين بالمغرب وخارجه يطرحون أسئلة حارقة بمواقع السوشيال ميديا، تتجاوز مجرد التدبير العادي للمرفق العمومي من قبيل: بأي منطق تقني أو أخلاقي تُوقّع مصلحة التخطيط -تحت إشراف خبير في المجال- على خريطة مدرسية تمنح أستاذاً لتلميذ وحيد، بينما تئن فصول أخرى؟ وأي معايير “سرية” تعتمدها مصلحة تدبير الموارد البشرية في هندسة التكليفات التي تكرس البطالة المقنعة لبعض “المحظوظين” وتنهك آخرين؟ وهل أصبحت المصالح الإقليمية ملحقات تابعة لأجندات بعض المنتخبين والنافذين بالإقليم خارج رقابة الأكاديمية والوزارة، بتواطؤ أو صمت من “مهندس خريطة” يعرف جيداً أين يُهدر المورد وأين يُستغل؟
إن استرداد هيبة المدرسة العمومية بتيزنيت يمر حتماً عبر مقصلة المحاسبة، وتفكيك البنية الإدارية الفاشلة و”المحميات” التي تقتات على ميزانية الدولة، وتغتال روح الإصلاح في مهده، لخدمة صناديق الاقتراع. ولم يعد مسموحاً أن يتحول “الاستثناء” إلى قاعدة في قلعة تربوية عُرفت تاريخياً بالتميز. والسكوت عن هذا الوضع هو مشاركة في إعدام تكافؤ الفرص بالإقليم، والدوس على الرؤية والإرادة الملكية السامية.
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة