أخبار عاجلة

المنتدى الجهوي حول منظومة التربية والتكوين بجهة سوس-ماسة: من إدارة الحصيلة إلى مساءلة الأثر وإعادة تعريف الإصلاح التربوي

المنتدى الجهوي حول منظومة التربية والتكوين بجهة سوس-ماسة: من إدارة الحصيلة إلى مساءلة الأثر وإعادة تعريف الإصلاح التربوي

الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: عمر ازكان- إطار تربوي 

لقد فتح المنتدى الجهوي حول منظومة التربية والتكوين بجهة سوس-ماسة، المنعقد يوم 30 أبريل 2026 بغرفة الفلاحة بأكادير، تحت شعار: حصيلة وآفاق خارطة إصلاح منظومة التربية والتكوين 2022-2026، أفقا مغايرا في تدبير لحظة التقييم التربوي. فقد تجاوز تجميع الحصيلة في بعدها الكمي، إلى إعادة توجيه النقاش نحو منطق مساءلة الأثر، بوصفه معيارا حاسما لفهم جدوى السياسات التربوية واستدامة نتائجها داخل الفضاء الصفي.

ويأتي هذا اللقاء، في سياق وطني يتسم بتسارع في وتيرة الإصلاح، ليكرس تحولا في هندسة التفكير التربوي، قوامه الانتقال من منطق إنتاج الاستراتيجيات إلى منطق اختبارها ميدانيا داخل المؤسسات التعليمية. وهو تحول لا يمكن قراءته بوصفه تعديلا تقنيا، بل باعتباره إعادة تموضع لمفهوم الإصلاح ذاته، حيث يغدو التنفيذ شرطا معرفيا لقياس القيمة، وليس مجرد مرحلة إجرائية لاحقة للتخطيط.

وتتعزز هذه الرؤية، كما تتقاطع مع مضامين المداخلات الرسمية، من خلال التأكيد على أن المؤشرات الرقمية، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة عن الإحاطة الكاملة بجوهر التحول التربوي ما لم ترتبط بتأثيرها المباشر في تجربة المتعلم، وفي درجة إعادة بناء الثقة في المدرسة العمومية. وهو ما وضع منظومة التقييم أمام انتقال سلس، من منطق القياس الكمي إلى منطق الأثر التكويني.

وفي هذا السياق، قدم المنتدى نموذجا مؤسساتيا رصينا، أعاد تعريف وظيفة التقييم نفسها، حيث لا يتعلق الأمر بتجميع النتائج أو ترتيبها، بل بإعادة إنتاج دلالاتها، عبر تحويل المعطى الإحصائي إلى أداة تحليل، والرقم إلى مؤشر دال على دينامية تربوية قابلة للفهم والمساءلة.

 

من عرض الحصيلة إلى مساءلة الأثر

يفرض الانتقال من عرض الحصيلة إلى مساءلة أثرها نفسه باعتباره أحد أكثر التحولات دلالة داخل هذا المسار التقييمي، إذ لم يعد تقديم الأرقام والمؤشرات كافيا لإثبات تحقق الإصلاح، ما لم يتم تدعيمه بقراءة نقدية لمدى انعكاسه داخل الفصول الدراسية، وهو ما انسجم مع الطرح الذي شدد على أن جوهر الإشكال لا يكمن في صياغة التصورات، بل في تحويلها إلى ممارسة فعلية داخل القسم.

وقد ارتقى النقاش في هذا المستوى، من توصيف النتائج إلى تفكيك بنيتها الدلالية، عبر مساءلة أسئلة جوهرية من قبيل: ماذا تغير فعليا في تعلم التلميذ؟ وكيف أعاد ذلك تشكيل علاقته بالمدرسة وبذاته؟ وهي أسئلة تنقل مركز الاهتمام من منطق الإنجاز إلى منطق الأثر، ومن منطق العرض إلى منطق التحول.

ويجد هذا التوجه امتداده في القراءة التي تعتبر أن الاكتفاء بلغة الأرقام يظل قراءة ناقصة للواقع التربوي، ما لم يتم دمجه في أفق أوسع يربط النتائج بسيرورة التعلم، وبمدى استعادة الثقة في المدرسة العمومية كفضاء لبناء المعنى لا مجرد مجال لتجميع المعارف.

ويستند هذا المنحى إلى إدراك متزايد بأن التنفيذ يشكل الحلقة الحاسمة في مسار الإصلاح، باعتباره الجسر الذي يربط التصور بالممارسة، والخطاب بالواقع، والاستراتيجية بأثرها الفعلي داخل الفصل الدراسي.

وقد أخذ استحضار تجربة مدارس الريادة دلالة خاصة، إذ لم يتم تقديمه كنموذج نهائي مكتمل، بل كمسار تجريبي مفتوح على الاختبار والتقويم، بما يضع سؤال الاستدامة وجودة التعميم في صلب النقاش، وتحويل النجاح من حالة ظرفية إلى صيرورة مستمرة.

وبهذا المعنى، أعاد المنتدى تعريف النجاح التربوي باعتباره أثرا قابلا للرصد داخل الوضعية الصفية، لا مجرد نتيجة قابلة للعرض، وهو ما يرسخ انتقالا عميقا من منطق إعلان المنجز إلى منطق مساءلته وتفكيكه وإعادة قراءته.

 

مركزية الفاعل التربوي: من التموقع الوظيفي إلى الفاعلية المنتجة

يتأكد داخل هذا المنتدى التحول الجوهري في تموقع الفاعل التربوي داخل هندسة الإصلاح. إذ لم يعد المدرس مجرد منفذ لتوجيهات خارجية، بل غدا مركزا إنتاجيا للأثر التربوي داخل القسم، في إطار انتقال تدريجي من منطق التوجيه إلى منطق التمكين.

وتؤكد كلمة ممثلة الوزارة هذا التحول من خلال ربطها الصريح بين نجاح الإصلاح وقدرته على التحقق داخل الممارسة الصفية، مع إبراز الدور المركزي للمدرس باعتباره الفاعل الذي تتكثف داخله شروط تحويل التصور إلى أثر فعلي.

وفي السياق ذاته، رسخ مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس-ماسة ذ إدريس واحي في كلمته تصورا يجعل من استدامة الإصلاح رهينة بدعم الفاعلين التربويين ومواكبتهم، وتمكينهم من شروط اشتغال تسمح بتحويل المؤسسة التعليمية إلى فضاء لإنتاج الحلول بدل الاكتفاء بتنفيذها.

ويكشف هذا التقاطع في الرؤية عن تحول في منطق التفكير التربوي. إذ لم يعد المدرس موضوعا للتأطير، بل فاعلا مشاركا في إنتاج المعنى التربوي وإعادة تشكيل مساراته داخل المؤسسة التعليمية.

كما يعكس تنامي أهمية العمل التعاوني داخل جماعات الممارسات المهنية انتقالا من الفردية المهنية إلى الذكاء الجماعي، بما يعزز القدرة على تقاسم الخبرات وتجويد الأداء بشكل مستدام.

 

اللغة الأمازيغية: من الإدماج التربوي إلى ترسيخ الاستمرارية المؤسساتية

لقد حضر ملف تدريس اللغة الأمازيغية داخل أشغال المنتدى باعتباره أحد المؤشرات التي تعكس الاستمرارية في التفكير التربوي حول موقع اللغة داخل المدرسة العمومية، حيث تجاوز النقاش حدود الإدراج البيداغوجي لمادة دراسية، نحو بلورة تصور أكثر اتساعا، يجعل من الأمازيغية مكونا بنيويا في هندسة الإنصاف اللغوي داخل المنظومة التربوية.

ويعتبر هذا التوجه امتدادا لمسار مؤسساتي متدرج في الجهة. يعكس الالتزام الكامل، والمهنية العالية لمدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة ذ إدريس واحي، من خلال ترسيخ دينامية مؤسساتية مستمرة لتطوير هذا الورش، ودعم التوجهات الرامية إلى توسيع تدريس اللغة الأمازيغية، وتعزيز حضورها داخل الفضاء المدرسي، في إطار رؤية إصلاحية، تقوم على التعدد اللغوي والإنصاف التربوي.

كما ساهمت الدينامية التي طبعت فترة تدبير الدكتورة وفاء شاكر لأكاديمية سوس-ماسة في نقل ورش تدريس الأمازيغية من المقاربة الإجرائية إلى النقاش الأكاديمي والمؤسساتي، وهو ما تجسد في اللقاء الدراسي المنعقد بتاريخ 24 أبريل 2024 برحاب المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بأكادير، تحت عنوان: تدريس اللغة الأمازيغية بالمنظومة التربوية.. الواقع والآفاق، الذي فتح قناة تواصل بين الإدارة والجامعة، والشركاء لتشخيص واقع تدريس الأمازيغية.

وأتاحت هذه المحطة تعبئة خبرات علمية متعددة، ساهمت في تشخيص واقع تدريس الأمازيغية على مستوى الجهة. وانصبت خلاصات هذا اللقاء على تحليل الممارسات البيداغوجية، ورصد الإكراهات التقنية والتنظيمية التي تعترض تعميم اللغة، مع تقديم قراءات نقدية تروم تطوير النموذج التربوي الجهوي وفق المرجعية الدستورية للدولة المغربية.

ويعكس ما حققته أكاديمية سوس-ماسة من تراكم علمي ومؤسساتي صيرورة في التعاطي مع ورش اللغة الأمازيغية. مما يؤكد تحولها إلى مكون بنيوي في تصور المدرسة العمومية المنصفة، بما يكرس تحولها إلى مكون بنيوي قائم على منطق الاستمرارية لا التدبير الظرفي.

وتتجسد هذه الاستمرارية، فيما خلص إليه المنتدى الجهوي حول منظومة التربية والتكوين من توصيات ذات طابع إجرائي، دعت إلى التعميم التدريجي والمنظم لتدريس اللغة الأمازيغية، وتعزيز التأطير التنظيمي للتدريس، وتوفير الوسائل الديداكتيكية الملائمة، وربط التجربة بمستويات التعليم الأولي لضمان امتداد التعلم اللغوي منذ المراحل المبكرة.

كما يندرج ضمن التوصيات توسيع أفق اشتغال اللغة الأمازيغية خارج الإطار المدرسي الضيق، من خلال إدراجها ضمن مقررات تدريس الثقافة المغربية الموجهة إلى مغاربة العالم، بما يعزز انفتاح المغرب وحضوره الثقافي خارج حدوده، ويبرز تعدد روافده اللغوية كعنصر من عناصر قوته الرمزية والدبلوماسية.

وفي الاتجاه نفسه، تدفع التوصيات نحو إرساء آليات شفافة لتدبير هذا الورش، من خلال فتح المجال أمام أساتذة اللغة الأمازيغية للتباري من أجل اختيار المكلفين بتدريسها لمغاربة العالم، بما يكرس مبدأ الاستحقاق ويرفع من جودة الكفاءات المؤطرة، ويعزز مأسسة هذا التخصص داخل المنظومة التربوية.

ويترجم هذا المسار في مجمله انتقالا من منطق الإدراج الجزئي إلى منطق التمكين البنيوي، حيث تحضر اللغة الأمازيغية بقوة كعنصر من عناصر إعادة تعريف المدرسة العمومية، باعتبارها فضاء للتعدد اللغوي والإنصاف التربوي، ورافعة لإشعاع الثقافة المغربية داخل الوطن وخارجه.

 

الورشات الموضوعاتية: من النقاش إلى إنتاج المعرفة الإجرائية

جسدت الورشات الموضوعاتية بالمنتدى الجهوي إحدى أهم لحظات التحول، حيث انتقلت من فضاءات للنقاش العام إلى وحدات لإنتاج المعرفة الإجرائية، القائمة على التشخيص الميداني المباشر للإشكالات التي تواجه تنزيل الإصلاح.

ويعكس تنوع المحاور التي شملتها الورشات الثمانية إدراكا بنيويا لطبيعة المنظومة التربوية باعتبارها نظاما مترابطا، يمتد من الممارسة الصفية إلى الحكامة التربوية، ومن التعليم الأولي إلى محاربة الهدر المدرسي، ومن التكوين المستمر إلى الشراكات المجتمعية، في تصور يرفض التجزيء ويؤسس للترابط الوظيفي بين مكونات الإصلاح.

وتبرز قيمة هذه الورشات في طبيعة النقاشات التي احتضنتها، حيث تم الانتقال من تبادل وجهات النظر إلى تفكيك الإشكالات العملية واقتراح حلول قابلة للتنزيل، انطلاقا من التجربة الميدانية داخل المؤسسات التعليمية.

كما أن مخرجاتها لم تكن إنشائية أو عامة، بل اتسمت بالدقة والارتباط بالواقع، وهو ما أضفى عليها صبغة القابلية للتحول إلى إجراءات عملية ضمن مشاريع الإصلاح المستقبلية.

وبهذا المعنى، تحولت الورشات من مجرد فضاءات للتداول إلى آلية لإنتاج المعرفة التربوية الموجهة للفعل، بما يرسخ انتقال المنتدى من التشخيص إلى التوجيه، ومن الحوار إلى القرار.

 

الحكامة التشاركية: من الخطاب إلى الثقافة التدبيرية

تترسخ الحكامة التشاركية داخل المنتدى باعتبارها ممارسة فعلية أكثر من كونها شعارا تنظيميا، حيث لم يكن حضور الفاعلين التربويين والإداريين والشركاء تمثيليا، بل جسد مشاركة فعلية في إنتاج التشخيص وصياغة البدائل.

ويعكس الانخراط الجماعي في المنتدى انتقالا من التدبير العمودي إلى منطق أفقي يقوم على تقاسم الرؤية والمسؤولية، حيث تتداخل مستويات القرار في إطار تفاعلي يربط بين المركز والجهات والمؤسسات.

وفي هذا السياق، أكدت ممثلة وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، في مداخلتها، أهمية توسيع قاعدة الفاعلين في صناعة القرار التربوي، معتبرة أن نجاح الإصلاح رهين بانخراط جماعي، بمنطق يتجاوز التنفيذ الأحادي، إلى الشراكة في الإنتاج.

وعزز مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس-ماسة هذا التصور في مداخلته، من خلال إعادة تعريف المؤسسة التعليمية، باعتبارها فضاء لإنتاج الحلول التربوية، لا مجرد محطة لتنزيلها، بما يجعل من المدرسة وحدة فاعلة داخل منظومة الإصلاح.

كما يعكس الانفتاح على الشراكات مع الجماعات الترابية والمجتمع المدني إدراكا عميقا بأن المدرسة ليست كيانا معزولا، بل جزء من نسيج اجتماعي واقتصادي، وأن أثر الإصلاح يتحدد بمدى امتداده خارج أسوار المؤسسة.

 

على سبيل الختام: من التنظيم إلى أثر الإصلاح وتعدد روافده

لقد تجاوز المنتدى الجهوي حول منظومة التربية والتكوين بجهة سوس-ماسة وظيفته الإجرائية، ليعيد صياغة العلاقة بين الفعل التربوي ومعايير تقييمه، في اتجاه يربط بين الرؤية والتنفيذ والأثر داخل فضاء واحد من التفكير المؤسساتي، حيث تتقاطع السياسات العمومية مع الممارسة الصفية في إطار رؤية تجعل من المدرسة فضاء لاختبار جدوى الإصلاح وقياس أثره الفعلي.

ويكرس هذا اللقاء تحولا عميقا من منطق التراكم الكمي للمعطيات إلى منطق القراءة النوعية لدلالاتها، ومن الاكتفاء بوصف المنجز إلى مساءلة شروط إنتاجه، بما يعيد تموقع المؤسسة التعليمية في قلب عملية تقييم السياسات التربوية، باعتبارها المجال الحقيقي الذي تتجسد فيه نتائج الإصلاح أو تتراجع فيه فعاليته.

وفي هذا السياق، لا ينفصل نجاح الإصلاح التربوي عن قدرته على إحداث أثر ملموس في التعلمات والسلوك وبناء الثقة في المدرسة العمومية، كما لا ينفصل عن مدى استيعابه لتعدد روافد المنظومة، وفي مقدمتها البعد اللغوي والثقافي، حيث تبرز اللغة الأمازيغية كأحد المؤشرات الدالة على تطور التصور التربوي نحو مدرسة منصفة، دامجة، ومتعددة الهوية اللغوية، بما يعكس توجها يروم ترسيخ التعدد بدل الاختزال.

وبهذا المعنى، يتحول التنظيم ذاته إلى جزء من منطق الحكم على جدوى الإصلاح، باعتباره لحظة كاشفة لنضج الرؤية التدبيرية الجهوية وقدرتها على تحويل التصور إلى أثر قابل للقياس داخل الفضاء الصفي، حيث تختبر كل سياسة تربوية حقيقتها على أرض الواقع، ويقاس أثرها بمدى قدرتها على إنتاج مدرسة أكثر عدلا ونجاعة وانفتاحا على تنوعها المجتمعي والثقافي. هناك فقط يقاس الإصلاح، داخل القسم، لا داخل التقارير.

شاهد أيضاً

الملتقى الوطني الأول للسيكولوجيين الدكاترة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس يكرّم البروفيسور بنعيسى زغبوش

الملتقى الوطني الأول للسيكولوجيين الدكاترة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس يكرّم البروفيسور بنعيسى …

مجلة “نبض المؤسسة” تتوج بالرتبة الأولى إقليمياً

مجلة “نبض المؤسسة” تتوج بالرتبة الأولى إقليمياً الشاملة بريس بالمغرب والعالم- مراسلة: لجنة الإعلام والتواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *