زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة المحتلة.. استفزاز للذاكرة الوطنية واختبار جديد للعلاقات المغربية الإسبانية
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: أنوار العسري

في خطوة تحمل أبعاداً سياسية ورمزية تتجاوز طابعها البروتوكولي، وصل العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس، مرفوقاً بالملكة ليتيثيا، إلى مدينة سبتة المحتلة، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ اعتلائه العرش سنة 2014، والأولى لملك إسباني منذ زيارة خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا سنة 2007.
إن هذه الزيارة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد نشاط ملكي عادي، بالنظر إلى الوضع التاريخي والقانوني والسياسي لمدينة سبتة، التي يعتبرها المغرب جزءاً من ترابه الوطني، ويؤكد باستمرار تمسكه بوحدته الترابية وسيادته على كافة أراضيه.
فالقضية هنا ليست في حق إسبانيا في تنظيم أنشطتها الرسمية، بل في الدلالات السياسية التي تحملها زيارة ملكية إلى مدينة تشكل موضوع خلاف تاريخي وسيادي بين البلدين. فمثل هذه الخطوات تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى مراعاة حساسية الملفات العالقة، ومدى انسجامها مع روح الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الرباط ومدريد.
لقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة محطات من التقارب والتعاون، شملت ملفات الأمن والهجرة والتجارة ومكافحة الجريمة المنظمة، فضلاً عن المصالح المشتركة المرتبطة بمضيق جبل طارق. غير أن متانة هذه العلاقات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاهل القضايا التاريخية والسيادية التي تظل حاضرة في الوجدان الوطني المغربي.
إن الدفاع عن الوحدة الترابية ليس موقفاً ظرفياً، ولا قضية قابلة للتجاوز تحت ضغط المصالح الاقتصادية أو الاعتبارات الدبلوماسية. فالمصالح المشتركة تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تقوم على الاحترام المتبادل، والوضوح في المواقف، والتعامل المسؤول مع الملفات الخلافية، بعيداً عن الخطوات التي قد تُفهم باعتبارها تكريساً للأمر الواقع.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب من الدبلوماسية المغربية هو مواصلة التعامل مع هذا الملف بحزم وحكمة، عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، مع التأكيد على الموقف المغربي الثابت من سبتة ومليلية والجزر المحتلة، دون الانزلاق إلى التصعيد أو الإضرار بالمصالح المشتركة للشعبين.
كما أن العلاقات بين المغرب وإسبانيا أكبر من أن تُختزل في زيارة أو موقف عابر، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى شجاعة سياسية لمعالجة الملفات العالقة، بدل تركها رهينة التوازنات الظرفية والحسابات الآنية.
سبتة ليست مجرد نقطة جغرافية على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق؛ إنها قضية تاريخ وذاكرة وسيادة وطنية. وأي مقاربة مستقبلية للعلاقات المغربية الإسبانية ستظل مطالبة بأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، إذا كان الهدف هو بناء شراكة متوازنة ومستدامة تحترم المصالح المشتركة ولا تتجاهل القضايا الجوهرية.
ويبقى السؤال المطروح: إلى أي حد يمكن للمصالح الاستراتيجية المشتركة بين الرباط ومدريد أن تفتح الطريق أمام حوار جاد ومسؤول بشأن سبتة ومليلية، بما يضمن تدبير الخلافات بعيداً عن الاستفزاز والتصعيد، ويحفظ في الوقت ذاته حقوق المغرب ومصالحه الوطنية؟
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة