شباب المغرب وقوارب الموت.. هل ما زالت أوروبا أرض الأحلام أم أصبحت وجهة نحو المجهول؟
الشاملة بريس بالمغرب والعالم- بقلم: فاطمة الزهراء ناح

بين البطالة وغياب الأفق في المغرب، وغلاء المعيشة والاحتجاجات وتشديد قوانين الهجرة في أوروبا، يطرح واقع الهجرة غير النظامية سؤالًا مؤلمًا،هل ما زال الشباب المغربي الذي يغامر بحياته في البحر قادرًا على بناء مستقبل في الضفة الأخرى؟
لسنوات طويلة، ظلت أوروبا في مخيلة عدد كبير من الشباب المغاربة مرادفًا للعمل والاستقرار والحياة الكريمة. كانت صورة المهاجر الذي يعود إلى المغرب بسيارة جديدة، أو يبني منزلًا لعائلته، كافية لتغذية حلم الهجرة لدى أجيال متعاقبة.
لكن أوروبا اليوم ليست هي أوروبا الأمس. فالقارة التي تستقطب آلاف الباحثين عن مستقبل أفضل، تعيش بدورها تحديات اقتصادية واجتماعية، من ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، إلى احتجاجات العمال والإضرابات، مرورًا بالجدل السياسي المتصاعد حول الهجرة وتشديد إجراءات الدخول والإقامة.
وأمام هذا الواقع، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما زالت الهجرة إلى أوروبا مشروعًا لبناء المستقبل، أم أنها تحولت بالنسبة إلى بعض الشباب إلى مغامرة غير محسوبة العواقب؟
أوروبا تحت الضغط.. والفرص لم تعد مضمونة
من يتابع الأخبار الأوروبية يلاحظ أن الإضرابات والمظاهرات لم تعد أحداثًا استثنائية في عدد من البلدان. فهناك احتجاجات مرتبطة بالأجور، وأخرى بإصلاح أنظمة التقاعد، وتظاهرات ضد ارتفاع تكاليف الحياة أو السياسات الحكومية.
غير أن هذه الاحتجاجات لا تعني بالضرورة انهيار الاقتصاد الأوروبي. فهي تعكس أيضًا وجود مجتمعات تطالب بحقوقها وتناقش اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية.
لكن المؤكد أن ظروف الحياة أصبحت أكثر صعوبة بالنسبة إلى فئات واسعة، خصوصًا الشباب وذوي الدخل المحدود.
وتشير بيانات المكتب الأوروبي للإحصاء «يوروستات» إلى أن معدل بطالة الشباب دون الخامسة والعشرين بلغ 15.1 في المائة داخل الاتحاد الأوروبي في يوليوز 2026.
وهذا يعني أن المنافسة على فرص العمل قائمة حتى بين الشباب الأوروبي أنفسهم، فما بالك بشاب يصل إلى أوروبا دون أوراق إقامة، أو دون إتقان اللغة، أو دون شهادة مهنية معترف بها.
وتضاف إلى ذلك أزمة السكن، التي أصبحت من أبرز التحديات في مدن أوروبية عديدة، حيث قد يجد حتى العامل الذي يتقاضى راتبًا منتظمًا صعوبة في استئجار شقة مناسبة.
من قوارب الموت إلى صعوبة الحصول على الأوراق
بالنسبة إلى بعض الشباب المغاربة، تبدو لحظة الوصول إلى الشواطئ الأوروبية وكأنها نهاية المعاناة وبداية تحقيق الحلم.
لكن الحقيقة أن الوصول قد يكون مجرد بداية لمسار طويل من الانتظار وعدم اليقين.
فالشاب الذي يدخل أوروبا بطريقة غير نظامية قد يواجه صعوبات في تسوية وضعيته القانونية، والحصول على عمل نظامي، واستئجار مسكن، والاستفادة من بعض الخدمات.
وقد يجد نفسه مضطرًا إلى قبول أعمال شاقة أو غير مستقرة، بأجور ضعيفة وفي ظروف قد تعرضه للاستغلال.
وهنا تظهر المفارقة: شاب غادر المغرب هربًا من البطالة وغياب الاستقرار، ليجد نفسه أحيانًا أمام بطالة من نوع آخر، أو عمل لا يوفر له الحد الأدنى من الأمان.
كما أن طلب اللجوء ليس طريقًا مضمونًا للحصول على الإقامة؛ فهو مرتبط بشروط قانونية تتعلق بالحاجة إلى الحماية، وليس بمجرد الرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي.
البحر لا يضمن الوصول.. والوصول لا يضمن النجاح
قبل الحديث عن فرص العمل والإقامة، هناك حقيقة أكثر قسوة: ليس كل من يركب قارب الهجرة يصل حيًا إلى الضفة الأخرى.
فبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، سُجل خلال سنة 2025 آلاف الموتى والمفقودين على طرق الهجرة المؤدية إلى أوروبا، بما فيها البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
وخلف كل رقم إنسان له اسم وعائلة وأحلام. هناك أمهات ينتظرن اتصالًا لا يأتي، وآباء يعيشون على أمل العثور على خبر عن أبنائهم، وعائلات تتحول حياتها إلى انتظار مفتوح.
والسؤال هنا ليس فقط: هل سينجح الشاب في الوصول إلى أوروبا؟
بل أيضًا: هل تستحق فرصة غير مضمونة أن يضع الإنسان حياته كلها على المحك؟
هل أغلقت أوروبا أبوابها في وجه الشباب المغربي؟
رغم كل هذه الصعوبات، سيكون من الخطأ القول إن أوروبا لم تعد توفر أي مستقبل للمهاجرين.
فما زالت هناك قطاعات تحتاج إلى اليد العاملة والكفاءات، وتختلف هذه الحاجيات من بلد إلى آخر، ومن مهنة إلى أخرى.
وما زال شباب مغاربة ينجحون في الدراسة والعمل وإنشاء المشاريع وبناء حياة مستقرة في بلدان أوروبية مختلفة.
لكن الفارق الكبير اليوم يكمن في طريقة الوصول والاستعداد للمستقبل.
فالشاب الذي يمتلك تكوينًا مهنيًا، ويتقن لغة البلد الذي يريد الاستقرار فيه، ويبحث عن فرصة عمل أو دراسة عبر مسار قانوني، تكون أمامه إمكانيات مختلفة تمامًا عن شخص يصل دون وثائق أو خطة واضحة.
ولذلك، لا ينبغي الخلط بين وجود فرص حقيقية للهجرة والعمل، وبين الاعتقاد بأن مجرد الوصول إلى أوروبا كافٍ لتغيير الحياة.
أوروبا لم تغلق جميع أبوابها، لكنها لم تعد تفتحها لمجرد أن شخصًا نجح في عبور البحر.
وماذا عن مسؤولية المغرب؟
لا يمكن مناقشة الهجرة غير النظامية دون طرح السؤال الأساسي: لماذا يظل عدد من الشباب المغاربة مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل الرحيل؟
هل يتعلق الأمر فقط بالبطالة؟ أم بالإحساس بانسداد الأفق، وضعف الثقة في المستقبل، والفوارق الاجتماعية، وصعوبة تحقيق الاستقلال المادي؟
الهجرة ليست دائمًا نتيجة الفقر وحده. فقد يختارها حتى شباب حاصلون على شهادات، لكنهم لا يرون أمامهم فرصًا تتناسب مع طموحاتهم.
ومن هنا، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على مراقبة الحدود ومحاربة شبكات التهريب.
بل تتطلب أيضًا سياسات جدية لخلق فرص الشغل، وتحسين جودة التكوين، وتشجيع المبادرة الاقتصادية، وتعزيز ثقة الشباب في إمكانية بناء مستقبل كريم داخل وطنهم.
فحين يشعر الشاب بأن أمامه فرصة حقيقية للعمل والتطور والعيش بكرامة، تصبح الهجرة اختيارًا شخصيًا، لا هروبًا يائسًا من واقع لا يراه قابلًا للتغيير.
بين الحلم والواقع.. أي مستقبل ينتظر الحالمين بالهجرة؟
ليس المطلوب أن نقول للشباب المغربي إن أوروبا جنة، ولا أن نصورها لهم جحيمًا.
المطلوب هو تقديم الحقيقة كما هي: هناك فرص، لكنها ليست متاحة للجميع بالشروط نفسها. وهناك قصص نجاح، كما توجد قصص معاناة وإخفاق لا تظهر دائمًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
فصور السيارات الفاخرة والمنازل الجميلة التي ينشرها بعض المهاجرين لا تحكي بالضرورة عن سنوات الانتظار، أو ساعات العمل الطويلة، أو الغربة، أو الصعوبات التي سبقت الوصول إلى الاستقرار.
ولهذا، يحتاج الشباب المقبل على الهجرة إلى معلومات واقعية عن قوانين الإقامة، وسوق العمل، وتكاليف السكن، ومتطلبات اللغة والتكوين، بدل اتخاذ قرار مصيري اعتمادًا على صور مثالية أو وعود مهربين .
فهل ما زال للشباب المغربي مكان ومستقبل في أوروبا؟
الجواب هو نعم، يمكن أن يكون له مستقبل، لكن ليس بالضرورة عبر قوارب الموت، وليس دون مؤهلات أو وضعية قانونية أو استعداد لمواجهة واقع مختلف عن الصور المتداولة.
فأوروبا نفسها تبحث عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وشبابها يطالبون بفرص أفضل وبمستقبل أكثر استقرارًا.
وفي المقابل، يواصل بعض الشباب المغربي المخاطرة بحياته للوصول إلى هذه القارة، بحثًا عن الفرص ذاتها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى شباب يحتجون في أوروبا من أجل تحسين مستقبلهم، وشباب يخاطرون بحياتهم في البحر لأنهم يعتقدون أن مستقبلهم يوجد هناك.
الشاملة بريس صحيفة ورقية والكترونية مستقلة شاملة